إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

انتصار أنطونيو سيغورو في البرتغال: رسالة توافقية بوجه اليمين المتطرف ومبعث أمل لأوروبا

انتصار أنطونيو سيغورو في البرتغال: رسالة توافقية بوجه اليمين المتطرف ومبعث أمل لأوروبا
Saudi 365
منذ 7 ساعة
3

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

فوز متعدد الأوجه يقلب موازين المشهد السياسي

شكل الانتصار الساحق الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، حدثاً سياسياً متعدد الأوجه، يتردد صداه ليس فقط داخل البرتغال، بل في مختلف الأوساط الأوروبية. لم يكن هذا الفوز مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان، في جوهره، انتصاراً للأسلوب التوافقي الهادئ والرزين على أساليب التفرقة والتحريض التي اتسم بها الخطاب اليميني والشعبوي المتطرف. كما يمثل هذا الفوز إحياءً لنهج اليسار الوسطي، الذي يمر بمراحل عصيبة في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي بأكمله. والأهم من ذلك، أنه انتصار شخصي لرجل قرر الإبحار عكس رياح حزبه، وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

لهذا، لم يكن مستغرباً أن تسارع العديد من القوى والأوساط الأوروبية، سواء اليسارية منها أو المحافظة، إلى التعبير عن ارتياحها لهذا الفوز. فهي ترى فيه تباشير انعطاف محتمل في المشهد السياسي الأوروبي، الذي تعيش فيه مخاوف متزايدة من تمدد اليمين المتطرف، الذي بات يطرق أبواب الحكم في أكثر من عاصمة أوروبية.

مسيرة سياسية حافلة وفلسفة حوارية

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 عاماً في واحدة من أفقر القرى البرتغالية، وهي خلفية لم ينسها قط، بل استمرت لتشكل جزءاً من هويته السياسية. عاد إليها عام 2014 عندما قرر التخلي عن النشاط السياسي مؤقتاً، بعد خسارته الانتخابات التمهيدية داخل حزبه أمام أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي. كانت تلك المعركة واحدة من أقسى الصراعات الداخلية في «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي شهدها الحزب بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، والتي انتهت بشرخ حزبي عميق لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.

تولى سيغورو حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي، وينتمي إلى التيار اليساري المعتدل الذي قاده غوتيريش، والمعروف بانفتاحه على الحوار مع القوى السياسية الأخرى. وعندما خضعت البرتغال لوطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة، أيد سيغورو التدابير التقشفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد والبنك الدولي، مبرراً موقفه بأن رئيس الوزراء الاشتراكي آنذاك، خوسيه سقراط، هو من طلب المساعدة. ومن هنا، أطلق سيغورو عبارته الشهيرة التي تحولت إلى شعاره السياسي في حملته الرئاسية: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

هذا الانفتاح الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم واسع من قوى سياسية متباينة، من كتل اليمين واليسار على حد سواء. فقد أيده الرئيس اليميني السابق هنيبال كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. والمثير للدهشة، أنه حظي بدعم من أنصار أنطونيو كوستا، خصمه اللدود السابق داخل الحزب الاشتراكي، حيث أعلن كوستا نفسه دعمه لسيغورو عشية الانتخابات، رغم الاختلافات المنهجية بينهما.

تحدي التيار الحزبي وفوز ساحق

عندما أعلن سيغورو ترشحه للانتخابات الرئاسية في مطلع الصيف الماضي، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي لا يزال يخضع لتأثير أنطونيو كوستا وقياداته الموالية. إلا أن إصراره على الترشح، سواء بدعم الحزب أو بدونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة بعد أن فشلت الشخصيات الاشتراكية النافذة في التوافق على مرشح آخر، وفي ظل استطلاعات الرأي التي أظهرت أن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز كانت شبه معدومة.

خلال السنوات الاثنتي عشرة التي ابتعد فيها عن العمل السياسي، انصرف سيغورو إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية، وأسس مشاريع صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه. وقد لمح بعد إعلان فوزه بأنه سيتخلى عن أنشطته التجارية لتجنب تضارب المصالح، مستفيداً من دروس الماضي، حيث سقطت حكومة لويس مونتينغرو اليمينية السابقة بسبب إبقائه على مؤسسته العائلية.

جاء فوز سيغورو ضد كل التوقعات، حيث نال ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى، مسجلاً حوالي 67% من الأصوات، في حين لم يتجاوز فنتورا 33%، رغم أنه كان قد حصد 31% في الجولة الأولى متقدماً على 11 مرشحاً. هذا الفارق الكبير يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لدعم مرشح يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، بمواجهة منافسه الشعبوي فنتورا، الذي أظهر ازدراءه لتلك القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية لتحقيق أهدافه السياسية.

رئاسة توافقية وتحديات ما بعد الأعاصير

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن تأثره العميق بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مشدداً على انتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وكرر شعاره: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي»، مؤكداً التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة مشاكل البلاد، ومعترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

يشكل هذا الانتصار عودة رمزية لليسار إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين عاماً من تعاقب الشخصيات اليمينية المحافظة. لكنه، بموجب الدستور البرتغالي، ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي بحد ذاته، فالترشيحات شخصية وليست حزبية، كما أن ترشح سيغورو قوبل بالرفض من قيادات الحزب في البداية. إلا أن هذا الفوز يمنح الحزب الاشتراكي جرعة زائدة من التفاؤل، خاصة بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها في الانتخابات العامة الأخيرة، عندما حل ثالثاً خلف حزب «شيغا» اليميني المتطرف.

تعهد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو، مؤكداً أنه لن يقف حجر عثرة أمام تنفيذ برنامجها. لكنه في الوقت ذاته، نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبة الحكومة بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، التي تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال مؤخراً، وأحدثت دماراً واسعاً في البنى التحتية وخلفت عشرات الوفيات وآلاف المشردين. وقد أمضى الرئيس المنتخب الأسبوعين الأخيرين من حملته في زيارة المناطق المنكوبة، ووعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار. كما أكد أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة وواجه معارضة شعبية واسعة.

فنتورا يتطلع إلى المستقبل

من جانبه، سارع أندريه فنتورا إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن حصوله على أكثر من ثلث الأصوات يشكل إنجازاً بحد ذاته، نظراً لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه. يطمح فنتورا، الآن، إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم وتشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصول حزبه «شيغا» على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيسه عام 2019، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي ويتوقع الوصول إلى سدة الحكم قريباً.

الكلمات الدلالية: # أنطونيو سيغورو، البرتغال، الانتخابات الرئاسية، اليمين المتطرف، أندريه فنتورا، الحزب الاشتراكي، أوروبا، الديمقراطية، الحوار، ثورة القرنفل، الأزمة الاقتصادية، لويس مونتينغرو