المملكة المتحدة - وكالة أنباء إخباري
مئات المتظاهرين يخرجون إلى شوارع لندن للمطالبة بوقف تطور الذكاء الاصطناعي
شهدت العاصمة البريطانية لندن مؤخراً مسيرة احتجاجية حاشدة، وصفت بأنها الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث خرج المئات من الناشطين والمهتمين إلى شوارع منطقة كينغز كروس، التي تعد مركزاً رئيسياً للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة. رفع المتظاهرون لافتات وهتفوا بشعارات معبرة عن مخاوفهم العميقة بشأن التطور المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي، محذرين من المخاطر المحتملة التي قد تهدد المجتمع والإنسانية جمعاء.
نظمت هذه المسيرة مجموعتان ناشطتان بارزتان، هما "Pause AI" (إيقاف الذكاء الاصطناعي) و "Pull the Plug" (سحب القابس)، اللتان نجحتا في حشد أعداد كبيرة من المشاركين للتعبير عن رفضهم لسباق التسلح غير المنضبط في مجال الذكاء الاصطناعي. تجمع المحتجون بالقرب من المقرات الرئيسية لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل OpenAI، و Meta، و Google DeepMind، ليوجهوا رسالة واضحة مفادها أن هناك حاجة ملحة لإعادة التفكير في مسار تطوير هذه التقنية.
اقرأ أيضاً
- ترامب يدعو لتقييد التصويت عبر البريد: أي الولايات تعتمد عليه أكثر؟
- انتقادات جمهورية حادة لخطة ترامب بشأن واردات اللحوم البقرية
- ترامب يهدد بتغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى "بحيرة أمريكا" مع احتدام الحرب التجارية الأمريكية الكندية
- وكالة حماية البيئة الأمريكية تسعى لتقييد مشاركة الجمهور في تراخيص تلوث الهواء لمراكز البيانات
- أوامر المحكمة العليا: تحدي الشفافية في قراراتها المؤقتة وعودة 'طوارئ ترامب'
تنوعت المخاوف التي عبر عنها المشاركون في المسيرة بشكل كبير، وشملت طيفاً واسعاً من القضايا. فقد حذرت اللافتات من مخاطر انتشار "المحتوى الرديء" (AI slop) عبر الإنترنت، وصور الإساءة التي يمكن للذكاء الاصطناعي توليدها، بالإضافة إلى المخاوف الأكثر إثارة للقلق حول إمكانية تطوير "روبوتات قاتلة" وصولاً إلى سيناريوهات "الانقراض البشري". رفعت إحدى المشاركات لافتة كبيرة تحمل عبارة "من سيكون أداة لمن؟"، مما يعكس القلق بشأن فقدان الإنسان لسيادته أمام الآلة. كما حمل آخرون لافتات كتب عليها "توقف قبل فوات الأوان"، و "الانقراض = سيء"، و "ديميس هو الخطر" (في إشارة إلى ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة Google DeepMind). وقد لخص أحدهم الشعور العام بقوله ببساطة: "توقفوا عن استخدام الذكاء الاصطناعي".
أحد المتظاهرين، وهو رجل مسن يرتدي لوحة إعلانية تحمل عبارة "الذكاء الاصطناعي؟ فوق جثتي!"، أعرب عن قلقه بشأن التأثير السلبي للذكاء الاصطناعي على المجتمع، مشيراً إلى مخاطر البطالة المتزايدة. وقال: "إنها تتعلق بمخاطر البطالة. الشيطان يجد عملاً للأيدي الخاملة". هذه المخاوف ليست جديدة تماماً، فقد نبه الباحثون منذ فترة طويلة إلى الأضرار الحقيقية والافتراضية التي يمكن أن تنجم عن الذكاء الاصطناعي التوليدي، وخاصة النماذج المتقدمة مثل ChatGPT من OpenAI و Gemini من Google DeepMind. لكن ما تغير مؤخراً هو أن هذه المخاوف بدأت تتبلور في حركات احتجاجية قادرة على حشد جماهير كبيرة للتعبير عن قلقها في الشارع.
ويذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها احتجاجات مناهضة للذكاء الاصطناعي. فقد شهدت لندن في مايو 2023 مظاهرة صغيرة خارج قاعة محاضرات كان يلقي فيها سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، كلمة. كما نظمت منظمة Pause AI، وهي منظمة دولية صغيرة تأسست في عام 2023 بدعم من جهات مانحة خاصة، احتجاجاً آخر في يونيو الماضي أمام مكتب Google DeepMind في لندن، حضرته بضع عشرات من الأشخاص. لكن المسيرة الأخيرة في كينغز كروس تمثل تصعيداً ملحوظاً في حجم المشاركة وتأثيرها.
صرح جوزيف ميلر، رئيس فرع Pause AI في المملكة المتحدة وأحد منظمي المسيرة، بأن الهدف هو "جعل الناس يعرفون بوجود Pause AI". وأضاف في مكالمة هاتفية قبل المسيرة: "نحن ننمو بسرعة كبيرة، وعلى مسار أسيّ يتوازى مع تقدم الذكاء الاصطناعي نفسه". ميلر، وهو طالب دكتوراه في جامعة أكسفورد يدرس مجال "القابلية للتفسير الآلي" (mechanistic interpretability)، يعتقد أن هذه التقنية قد تظل خارج سيطرتنا إلى الأبد، مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. وحذر من أن الأمر لا يتطلب بالضرورة ظهور "ذكاء اصطناعي خارق" ليحدث الضرر، بل يكفي أن يتولى الذكاء الاصطناعي مسؤولية أسلحة نووية، أو أن تتخذ البشرية قرارات ساذجة تؤدي إلى تفاقم المخاطر.
تأتي هذه المخاوف في وقت حساس، خاصة بعد محاولة الحكومة الأمريكية مؤخراً إجبار شركة Anthropic على السماح باستخدام نماذجها اللغوية الكبيرة (LLMs) لأغراض عسكرية "قانونية". ورغم أن Anthropic رفضت، إلا أن OpenAI وقعت اتفاقية مع وزارة الدفاع الأمريكية. وتؤكد هذه التطورات على أن المخاوف المطروحة في المسيرة ليست مجرد تخيلات بعيدة.
من جانبها، ترى ماتيلدا دا روي، عضو في Pause AI ومنظمة أخرى للمسيرة، أن الذكاء الاصطناعي هو "المشكلة الأخيرة" التي ستواجه البشرية. فهي تعتقد أن هذه التقنية إما ستمكننا من حل جميع مشاكلنا الأخرى بشكل نهائي، أو أنها ستقضي علينا ولن يتبقى أحد ليواجه المشاكل. وعبرت عن استغرابها من تركيز الناس على قضايا أخرى "إذا فهموا المشكلة حقاً".
على الرغم من الشعور بالإلحاح الذي عبر عنه بعض المشاركين، إلا أن الأجواء العامة للمسيرة كانت مفعمة بالود، بل ومرحة في بعض الأحيان. ولم يكن هناك شعور بالغضب، أو إدراك حقيقي بأن بقاء الجنس البشري نفسه على المحك. قد يعود ذلك إلى تنوع الاهتمامات والمطالب التي حملها المتظاهرون. فقد ذكر باحث في الكيمياء مجموعة من الشكاوى، تراوحت بين النظريات القريبة من المؤامرة (مثل انبعاث مراكز البيانات لأشعة تحت صوتية تسبب البارانويا) والمخاوف المنطقية (مثل صعوبة العثور على مصادر أكاديمية موثوقة بسبب انتشار المحتوى الرديء الناتج عن الذكاء الاصطناعي). واقترح حلولاً مثل تجريم تحقيق الشركات للربح من هذه التقنية.
اتفق معظم الأشخاص الذين تم التحدث معهم على أن شركات التكنولوجيا الكبرى لن تلتفت غالباً إلى مثل هذه الاحتجاجات. وقال ماكسيم فورنز، الرئيس العالمي لمنظمة Pause AI: "لا أعتقد أن الضغط على الشركات سينجح أبداً. إنها مُحسّنة لعدم الاهتمام بهذه المشكلة". ومع ذلك، يعتقد فورنز، الذي عمل في صناعة الذكاء الاصطناعي لمدة 12 عاماً قبل الانضمام إلى Pause AI، أنه يمكن جعل الأمور أصعب على هذه الشركات. "يمكننا إبطاء السباق من خلال توفير الحماية للمبلغين عن المخالفات أو إظهار للجمهور أن العمل في مجال الذكاء الاصطناعي ليس وظيفة مثيرة، بل هو في الواقع وظيفة فظيعة - يمكنك تجفيف خط المواهب".
بشكل عام، أعرب معظم المتظاهرين عن أملهم في زيادة الوعي العام بالقضايا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، واستخدام هذا الوعي لدفع الحكومات نحو فرض المزيد من التنظيمات. وقد تم الترويج للمسيرة كحدث اجتماعي، يشجع أي شخص لديه فضول حول القضية على الحضور. ويبدو أن هذا النهج قد نجح، حيث حضر أشخاص لم يكونوا جزءاً من المنظمات الناشطة، مثل موظف في القطاع المالي جاء برفقة زميله. وعند سؤاله عن سبب حضوره، أجاب: "أحياناً لا يكون لديك الكثير لتفعله في يوم السبت. إذا رأيت منطق الحجة، وإذا كان الأمر منطقياً بالنسبة لك، فتقول: "نعم، بالتأكيد، سآتي".
وأضاف أنه يرى صعوبة في معارضة المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. ومقارنة ذلك باحتجاجات أخرى، أوضح: "الأمر ليس مثل احتجاج مؤيد لفلسطين، حيث قد يكون لدى الناس آراء مختلفة حول القضية. مع هذا، أشعر أنه من الصعب جداً على شخص ما أن يعارض تماماً ما تسير من أجله".
بعد أن اختتمت المسيرة جولتها في كينغز كروس، توجه المشاركون إلى قاعة كنيسة في بلومزبري، حيث تم ترتيب الطاولات والكراسي. كتب المتظاهرون أسماءهم على ملصقات، ووضعوها على صدورهم، وبدأوا في التعارف مع جيرانهم. كانوا هناك لمناقشة كيفية إنقاذ العالم، لكن المراسل كان لديه قطار ليحققه، فغادرهم وهم يواصلون مهمتهم.
أخبار ذات صلة
- أونور تذهل العالم في MWC 2026: بطارية عملاقة وهاتف روبوتي ثوري يتربعان على عرش الابتكار
- اكتشاف جيني في الفئران يقلب سلوك الآباء من الرعاية إلى العدوانية
- تغير المناخ يهدد الهجرة الجماعية للفراشات الملكية الأيقونية
- إيقاع يمنح اليرقات صداقات في عالم الحشرات
- فينيسيوس جونيور: نجم ريال مدريد الذي لا يقهر في دوري الأبطال، يواجه العنصرية بالرقص والأهداف