(هولندا - إخباري):
أنجز المصور الفلكي الهولندي كورنيليس فان زايلن لوحة فسيفسائية مذهلة تضم الأجرام السماوية الـ110 المدرجة في فهرس ميسييه الشهير. استغرقت هذه التحفة الفنية 352 ساعة و13 دقيقة من جمع الضوء، وامتدت على مدار ليالٍ عديدة قضاها بعيداً عن دفء منزله.
تجمع اللوحة مجرات تبعد ملايين السنين الضوئية، وسدما غازية تتشكل فيها النجوم، وعناقيد نجمية تتلألأ في أعماق الفضاء السحيق. يقدم هذا العمل مشهداً بصرياً استثنائياً لأشهر الأجرام التي يستطيع هواة الفلك رصدها بالتلسكوبات المتوسطة والصغيرة. إنه إنجاز يمزج بين الصبر المتناهي والشغف العميق بعلم الفلك.
اقرأ أيضاً
- ترامب يلوح بـ"سيناريو فرنسي" في أمريكا ويحذر من "فوضى محتملة" حال فوز الديمقراطيين
- CNN تهدد باللجوء للقضاء ضد البيت الأبيض بسبب منعها من تغطية رحلات الرئاسة
- مذنب هالي: خيبة أمل الجمهور.. وانتصار العلم بعد 40 عاماً
- محكمة النقض السورية تحكم بسجن قاضٍ ثماني سنوات لإدانته بالرشوة وصرف النفوذ
- نتنياهو يهاجم أردوغان: تطمحون لإعادة الخلافة العثمانية في القدس
بدأت قصة هذا المشروع الطموح عام 2024، حين التقط فان زايلن صورة لعنقود الثريا النجمي، المعروف بالرمز "ميسييه 45" (M45). جاء ذلك بعد اقتنائه كاميرا فلكية مبردة، مصممة خصيصاً لتصوير الأجرام الخافتة. قرر المصور بعد تلك اللحظة توسيع تجربته لتشمل جميع أجرام فهرس ميسييه، في رحلة تصوير استمرت نحو عام ونصف العام.
استخدم فان زايلن تلسكوبين مختلفين، بالإضافة إلى كاميرات فلكية ومرشحات ضوئية متخصصة لجمع البيانات. ثم تولى معالجة الصور بدقة فائقة، مستعيناً ببرنامجي فوتوشوب وبكسلنسايت لإظهار أدق تفاصيل الأجرام وتجميعها في لوحته النهائية. لم تكن عملية جمع هذه الصور مهمة سهلة إطلاقاً، خصوصاً أن المصور أنجز غالبية عمله من هولندا. تشكل الغيوم والتلوث الضوئي والعوائق الأرضية تحديات دائمة أمام التصوير الفلكي في هذه المنطقة.
تمكن فان زايلن من تصوير قسم كبير من الأجرام من شرفته في بلدة هايلو الهولندية، لكنه اضطر للانتقال إلى مواقع ريفية أكثر انفتاحاً للحصول على رؤية صافية للأجرام المنخفضة قرب الأفق، بعيداً عن الأشجار والمباني. كانت بعض رحلات التصوير طويلة لدرجة أنه أمضى ليالٍ ينام داخل سيارته قرب معدات الرصد، منتظراً استكمال جلسات التصوير وجمع أكبر قدر ممكن من الضوء الكوني. يصف المصور تلك الليالي بأنها لم تكن عبئاً، بل رحلات تخييم ممتعة. لم يتعامل مع جميع الأجرام بالطريقة ذاتها؛ فقد خصص لبعضها مساحة أكبر داخل اللوحة، كونها تمثل مشاهد مفضلة لديه أو ترتبط بذكريات شخصية من رحلاته.
خلفية تاريخية: فهرس ميسييه
تعود جذور فهرس ميسييه إلى القرن الثامن عشر، عندما شرع عالم الفلك الفرنسي شارل ميسييه في تجميع قائمة بالأجرام السماوية الضبابية. كان الهدف الأساسي لميسييه هو اكتشاف المذنبات، لكنه لاحظ أن بعض البقع الضوئية الثابتة في السماء قد تربك عمليات البحث. لذا، عمل على تسجيل مواقعها لتسهيل تمييزها عن الأجرام المتحركة في السماء. مع مرور الزمن، تحول الفهرس إلى مرجع لا غنى عنه لهواة الفلك، واتسعت قائمته المعتمدة لتضم 110 أجرام، أبرزها مجرة المرأة المسلسلة (M31)، وسديم الجبار (M42)، وعنقود الثريا (M45).
تضم القائمة أنواعاً مختلفة من الأجرام: بعضها يقع داخل مجرتنا درب التبانة، وأخرى مجرات مستقلة تبعد عنها مسافات هائلة. تكمن أهمية لوحة فان زايلن في قدرتها على جمع هذه الأجرام المتباينة في عمل بصري واحد. تتيح اللوحة للقارئ مقارنة أشكال المجرات والعناقيد والسدم وألوانها، بينما تقدم لهواة التصوير الفلكي مثالاً عملياً ملهماً على ما يمكن تحقيقه بالمعدات المتاحة للهواة، عندما تقترن بالتخطيط الدقيق والصبر والعمل المتواصل. بذلك، تتحول قائمة وُضعت قبل أكثر من قرنين لتجنب الالتباس بين المذنبات والأجرام الثابتة إلى معرض مصور يكشف تنوع الكون المدهش وجماله الآسر.