الأربعاء، ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 19 أغسطس 2026 م 01:51 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

مهنة 'الشلاشير': بين الضرورة الاقتصادية والبحث عن المعنى في عالم العمل الحديث

تحليل متعمق لظاهرة تعدد الأنشطة المتزايدة، ودوافعها وتحدياته
استمع للخبر الأخبار عبد الفتاح يوسف 2026-02-03 06:53 10
مهنة 'الشلاشير': بين الضرورة الاقتصادية والبحث عن المعنى في عالم العمل الحديث

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

مهنة 'الشلاشير': بين الضرورة الاقتصادية والبحث عن المعنى في عالم العمل الحديث

يشهد سوق العمل المعاصر تحولاً عميقاً، يتميز بظهور وتوطيد مفهوم مهني جديد: 'الشلاشير'. فمعلم في النهار ومطور برامج في المساء، أو مندوب مبيعات خلال الأسبوع وصانع حلويات في عطلة نهاية الأسبوع، هؤلاء الأفراد يتنقلون بين أنشطة مهنية متعددة ومأجورة، محطمين بذلك النموذج التقليدي للمسار الوظيفي الخطي. هذه الظاهرة، التي كانت هامشية في السابق، أصبحت واقعاً هيكلياً، مما يدفع إلى إعادة التفكير في أطر التوظيف، والحماية الاجتماعية، والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

في فرنسا، هذه الظاهرة ليست مجرد حدث عابر. فقد كشفت دراسة أجريت عام 2025 لصالح صالون SME للمستقلين والمبدعين ومديري الشركات الصغيرة جداً، أن 4.3 مليون شخص يجمعون بين نشاط إضافي واحد على الأقل مدفوع الأجر ومصرح به. وهذا يمثل نسبة كبيرة تبلغ 15% من القوى العاملة النشطة، مما يدل على ديناميكية أساسية تتزايد استدامتها. غالباً ما يُنظر إلى هذا التعدد في الأنشطة، الذي يحظى بشعبية خاصة بين الأجيال الشابة، على أنه استجابة لمرونة أسواق العمل وهشاشتها أحياناً، ولكنه أيضاً تطلّع إلى استقلالية أكبر وتحقيق شغف متعدد.

تتنوع وتتعقد الدوافع وراء تبني 'مهنة الشلاشير'. فبالنسبة للبعض، يعد تعدد الأنشطة ضرورة اقتصادية، استراتيجية للبقاء في مواجهة الدخل غير الكافي أو عدم استقرار الوظيفة الرئيسية. في هذه الحالة، يصبح الجمع بين الوظائف الصغيرة قيداً، و'مهام متعددة قسرية' كما يلاحظ في بعض الاقتصادات الناشئة. بالنسبة للآخرين، إنه خيار متعمد، رغبة في رفض رتابة مسار وظيفي واحد، لإشباع فضول فكري لا حدود له أو لاستكشاف جوانب مختلفة من شخصيتهم ومهاراتهم. إنهم يطالبون بالتنوع وحرية ارتداء قبعات متعددة، محولين بذلك مسارهم المهني إلى فسيفساء من المشاريع والخبرات.

ومع ذلك، هذه الحرية لها ثمنها. فحياة 'الشلاشير' لا تخلو من تحديات كبيرة. فالإرهاق في العمل هو مصدر قلق دائم. تتطلب إدارة وظائف متعددة في وقت واحد تنظيماً صارماً، ومرونة كبيرة، وقدرة على التكيف مع كل الظروف. خطر الإرهاق مرتفع، خاصة أن الاعتراف بهذا التعدد في الأنشطة ومكافأته لا يتناسبان دائماً مع قيمة الجهد المبذول. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي تجزئة العمل إلى زيادة الهشاشة من حيث الحماية الاجتماعية أو التقاعد أو الإجازات المدفوعة، وهي حقوق غالباً ما ترتبط بالعمل المأجور التقليدي.

توضح القصص الفردية هذه الازدواجية جيداً. فمارييل بارب، المستشارة والمدربة ومؤلفة كتاب 'مهنة الشلاشير'، تجسد هذه الشخصية التي اختارت التنوع، محولة خبراتها المتعددة إلى مسار وظيفي غني. وفي ريو دي جانيرو، شهادة لوسيانا سينا، 41 عاماً، لا تقل وضوحاً: ممثلة، نادلة، مندوبة مبيعات، وصانعة حلويات، تجمع بين ثلاث وظائف مستقلة. تسلط مسيرتها الضوء على القدرة على إعادة ابتكار الذات وإنشاء مسار خاص في سياق اقتصادي ديناميكي.

على النقيض من هذه التطلعات، قد تكون حقيقة 'الشلاشير' أكثر قتامة في مناطق أخرى. يشير كوم باستين، مراسل RFI في بنغالور بالهند، إلى مفهوم 'العاملين الرقميين المتعددين' أو 'اقتصاد العمل الزائد'، حيث غالباً ما يكون تعدد الأنشطة مفروضاً، تمليه الضرورة وقيود سوق العمل غير الرسمي أو المجزأ. هنا، لا يعد 'الشلاشير' خياراً لنمط حياة، بل استجابة قسرية للفقر.

يدفع هذا التطور إلى زعزعة نماذج تنظيم العمل لدينا بشكل أساسي. فهو يطمس الحدود بين العمل المأجور، والاستقلالية، وريادة الأعمال، مما يحث الشركات والسلطات العامة على إعادة التفكير في الأطر التنظيمية وأنظمة الدعم. إن الاعتراف بتعدد الأنشطة كشكل مشروع ومتزايد من أشكال التوظيف أمر ضروري لضمان حماية كافية وتقييم عادل لمهارات 'الشلاشير'.

باختصار، مهنة 'الشلاشير' هي مرآة لمتناقضات القرن الحادي والعشرين: تطلعات إلى الاستقلالية والتحقيق الذاتي، تواجه الضرورات الاقتصادية ومخاطر الإرهاق. إنها ظاهرة، بعيداً عن أن تكون مجرد موضة، ترسم ملامح مستقبل عمل أكثر مرونة، ولكن أيضاً أكثر تطلباً، حيث تصبح الرشاقة والقدرة على التكيف مهارات أساسية.

# مهنة الشلاشير # تعدد الأنشطة # سوق العمل # المرونة المهنية # التوظيف المتعدد # تحديات العمل
اقرأ هذا الخبر