إخباري
الأحد ١ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ١٤ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

سيباستيان كورتس: تحالف اليمين غير الليبرالي مع التكنولوجيا؟ رحلة المستشار النمساوي السابق من السياسة إلى عالم الأعمال المثير للجدل

استكشاف مسارات سيباستيان كورتس، المستشار النمساوي السابق، في

سيباستيان كورتس: تحالف اليمين غير الليبرالي مع التكنولوجيا؟ رحلة المستشار النمساوي السابق من السياسة إلى عالم الأعمال المثير للجدل
Ekhbary Editor
منذ 1 يوم
139

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

سيباستيان كورتس: تحالف اليمين غير الليبرالي مع التكنولوجيا؟ رحلة المستشار النمساوي السابق من السياسة إلى عالم الأعمال المثير للجدل

في مشهد يعكس التغيرات السريعة في مسارات النخب السياسية العالمية، يبرز سيباستيان كورتس، المستشار النمساوي السابق، كنموذج لشخصية انتقلت ببراعة من قمة السلطة السياسية إلى عالم الأعمال الدولية عالي المخاطر. ففي إحدى الليالي الساحرة في تل أبيب، حيث تتلألأ أضواء المدينة وتنساب نسمات البحر الأبيض المتوسط، يجلس كورتس، الذي كان يوماً ما أصغر زعيم في العالم، على شرفة فندق ديفيد كمبينسكي الفاخر، محاطاً بشركاء أعمال. هذا المشهد يلخص تحولاً جذرياً في حياة رجل كان يعتبر الأمل الكبير للمحافظين الأوروبيين، وصديقاً لشخصيات مثل دونالد ترامب وفيكتور أوربان وبنيامين نتنياهو.

منذ أن غادر كورتس الساحة السياسية النمساوية في عام 2022، لم يعد يقضي الكثير من وقته في وطنه الأم. في سن التاسعة والثلاثين، أصبح أباً لطفلين ومليونيرًا متعددًا، على الأقل على الورق. رحلاته المكوكية بين أبو ظبي وبراغ وفيينا وتل أبيب وبرلين، خلال أيام معدودة، ترسم صورة لرجل أعمال عالمي يسعى لبناء إمبراطورية جديدة بعيداً عن صخب السياسة التقليدية. ولكن هل يمكن حقاً فصل هذه المساعي التجارية عن خلفيته السياسية وعلاقاته المترامية الأطراف؟

شراكات مثيرة للجدل في عالم التكنولوجيا السيبرانية

في قلب هذه الإمبراطورية الناشئة تقع شركة الأمن السيبراني “Dream”، التي شارك كورتس في تأسيسها مع الإسرائيلي شاليف هوليو. تدعي الشركة أنها توفر حماية للحكومات والمرافق الحيوية والبنوك وشركات الاتصالات من الهجمات الرقمية. تأسست “Dream” في يناير 2023، وفي أقل من ثلاث سنوات، بلغت قيمتها مليار يورو، مع حصة لكورتس تقدر بنحو 150 مليون يورو. هذه الأرقام مذهلة، لكن خلف هذا النجاح السريع تكمن تساؤلات عميقة حول الخلفيات الأخلاقية لبعض اللاعبين الرئيسيين في هذه الصناعة.

شاليف هوليو، الشريك المؤسس، ليس اسماً جديداً في عالم الأمن السيبراني. فقد شارك في تطوير وبيع برنامج التجسس بيغاسوس، الذي أكسبه سمعة سيئة في الصناعة. استخدمت حكومات حول العالم بيغاسوس لمراقبة المعارضين والصحفيين، مما أدى إلى فرض عقوبات أمريكية على شركة NSO، الشركة السابقة لهوليو. يطرح هذا السجل تساؤلات حول دوافع هوليو في إحضار المستشار النمساوي السابق إلى الشركة. هل كان يسعى لتلميع سمعته من خلال ربطها بشخصية سياسية بارزة مثل كورتس؟ يرد هوليو بجرأة: "بل العكس هو الصحيح؛ لم يبيض هو سمعتي، بل أنا من بيضت سمعته"، في إشارة إلى استقالة كورتس مرتين من منصب المستشار ومواجهته محاكمة بتهمة الفساد.

هذا التبادل يعكس ديناميكية معقدة بين شخصيتين بارعتين في فن العودة بعد الانتكاسات. كلاهما يبدو قادراً على تجاوز العقبات بسهولة، مما يجعلهما فريقاً قوياً في عالم الأعمال الذي لا يرحم. ولكن هذه الشراكة تثير أيضاً مخاوف بشأن الأخلاقيات والمسؤولية، خاصة وأن العديد من موظفي NSO السابقين، التي وصفتها شركة آبل بـ "المرتزقة غير الأخلاقيين في القرن الحادي والعشرين"، قد انضموا الآن إلى شركة Dream، بما في ذلك ما يسميه كورتس "بعضاً من أفضل المخترقين في العالم".

طموحات كورتس: سياسة أم مال؟

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما هو الهدف النهائي لهذا المحافظ شديد النشاط؟ هل لا يزال يطمح للعودة إلى السياسة، أم أنه يستغل علاقاته رفيعة المستوى ووجوده تحت الأضواء لترتيب صفقات جديدة ومربحة؟ يرى البعض أن كورتس، الذي كان يُحتفى به كـ "الطفل المعجزة" في السياسة العالمية، قد يكون مدفوعاً بشغف حقيقي للحياة السياسية. بينما يرى منتقدوه أنه مسوّق موهوب، أولاً وقبل كل شيء، لنفسه.

كورتس لا يزال ينشط في العديد من الفعاليات الدولية، من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس إلى مؤتمر ميونيخ للأمن وقمة الحكومات العالمية في دبي. حتى أنه ينظم تجمعات سرية للوزراء وكبار الشخصيات. هذه المشاركات لا تقتصر على مجال التكنولوجيا، بل تمتد لتشمل بيع إضافات وقود الديزل والعقارات، حيث يعمل مع المدير السابق لمكتب رجل الأعمال العقاري المفلس رينيه بينكو. وعلى هامش مهرجان سالزبورغ الصيفي، يستضيف كورتس ضيوفاً بارزين، على الرغم من إعلانه الانسحاب الكامل من السياسة قبل أربع سنوات، ولا يزال قيد التحقيق من قبل سلطات مكافحة الفساد في فيينا.

في محادثة في فندق كلاريون في براغ، يصف كورتس عالمه الجديد بأنه "مختلف جغرافياً وموضوعياً"، مشيراً إلى أنه لم يكن يعرف أي من الأشخاص الذين يتعامل معهم الآن. ويضيف: "لم تكن السياسة غير ممتعة، ولكن بعد 10 سنوات، من الجيد فعل شيء مختلف." هذا التصريح لا يحسم الجدل حول عودته المحتملة للسياسة، بل يترك الباب مفتوحاً أمام "ربما" حاسمة.

توجهات سياسية واقتصادية جديدة: التركيز على الشرق الأوسط

تظهر خطابات كورتس العامة والخاصة بوضوح تحولاً في تركيزه نحو الشرق الأوسط. يقضي "ما لا يقل عن أسبوع واحد شهرياً في الشرق الأوسط"، ويشيد علناً بالإمارات العربية المتحدة كـ "أحد أكثر الأماكن ديناميكية وأماناً وجاذبية في العالم"، مشيداً بـ 3500 ساعة من أشعة الشمس سنوياً، وشيخ مستنير على رأس القيادة، وبيروقراطية فعالة تجذب الطموحين من جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، يتجاهل كورتس الانتقادات الموجهة للإمارات بشأن الفساد وغسيل الأموال واضطهاد المعارضين، وهي قضايا وثقها البرلمان الأوروبي في حالات مثل قضية الناشط الحقوقي أحمد منصور.

في خطابه أمام مؤتمر لرواد الأعمال والمصرفيين والسياسيين في براغ، يتحدث كورتس بلهجة الخبير العالمي عن تراجع أوروبا في المنافسة الدولية، ويعود إلى أزمة اللاجئين وموقفه المخالف لموقف أنغيلا ميركل بشأن الهجرة. يدعي كورتس أنه "بعد عشر سنوات، أعتقد أنه من العدل القول إنني كنت على حق"، مجادلاً بأن الهجرة غير المنضبطة تشكل "عبئاً ثقيلاً" على النظام الاجتماعي، خاصة على المدى الطويل، بسبب الاختلاف في معدلات المواليد.

وفي أحاديثه الخاصة، يكون كورتس أكثر صراحة في انتقاد خصومه السياسيين اليساريين، "أصدقاء سياسات الحدود المفتوحة". كما يتطرق إلى "مؤيدي مجتمع الميم لفلسطين" الساذجين، قائلاً إنه لا يتمنى لهم مواجهة مع "السادة من حماس". هذا المزيج من الخطاب السياسي القديم والتوجهات التجارية الجديدة يعكس استراتيجية كورتس في دمج نفوذه السياسي السابق مع طموحاته التجارية الجديدة.

إسرائيل و"وادي السيليكون": أسئلة حول الأخلاق والسياسة

تل أبيب، حيث يقضي كورتس عدة أيام في فندق "The George" الفاخر، هي قلب مركز التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل، المعروف باسم "وادي السيليكون". يثير وجود كورتس وعمله في هذا السياق تساؤلات حول موقفه من القضايا الحساسة التي تواجه إسرائيل، مثل الاتهامات الموجهة لها من هيئات الأمم المتحدة بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ومواجهة رئيس وزرائها مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

لا يقدم كورتس تعليقات واضحة حول تأثير حالة الطوارئ الدائمة في إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، أو انتقادات لبنيامين نتنياهو أو إدارة الحرب. يكتفي بالقول: "نصف موظفيّ تظاهروا ضد نتنياهو، وربما ربعهم صوتوا له." ومع ذلك، فإن شركاءه التجاريين ومقربيه يرسمون صورة مختلفة. هناك المستثمر في شركة Dream، مايكل أيزنبرغ، أحد المقربين من نتنياهو، والذي يرأس أيضاً منظمة "هاشومير هحداش" التي تدعم المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة بشكل غير قانوني.

كما أن شاليف هوليو نفسه، الذي خدم كجندي احتياط في قطاع غزة والضفة الغربية، يُقال إنه شغل منصباً في الحركة الصهيونية لفترة من الوقت. وشلومو ياناي، الذي انضم إلى مجلس إدارة Dream، هو لواء متقاعد ورئيس تخطيط سابق في قوات الدفاع الإسرائيلية. هذه الروابط القوية بين الصناعة العسكرية والأمن السيبراني في إسرائيل تثير مخاوف، خاصة وأن غزة والضفة الغربية تُستخدمان كـ "ساحات تدريب ومختبرات رقمية" حيث تُختبر الأسلحة وتقنيات المراقبة الإسرائيلية قبل تسويقها عالمياً على أنها "مجربة في المعارك".

عند سؤاله عن هذه الروابط، يقلل كورتس من أهميتها قائلاً: "لا يتجولون في مكتبنا ببنادق كلاشينكوف. لم يكن موظفونا في وحدات كوماندوز قاتلة." ومع ذلك، تشير منصة البيانات التفاعلية Surveillancewatch إلى أن محفظة منتجات شركة كورتس "منتشرة ضد أهداف في فلسطين".

في صباح أحد الأيام، يلتقي المستشار النمساوي السابق في ممرات شركته الناشئة بـ أفنير نتنياهو، الابن الأصغر لرئيس الوزراء الإسرائيلي. أفنير يعمل الآن لدى المساهم الرئيسي في Dream، دوفي فرانسيس، وهو أمريكي إسرائيلي له علاقات وثيقة مع نتنياهو الأب ودونالد ترامب. يصف فرانسيس شركة Dream بأنها "المعيار الذهبي" في الأمن السيبراني، وأن مهمتها يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: "الفوز". ويضيف أن سيباستيان كورتس يجسد الطموح المطلوب، فهو أيضاً "يريد الفوز دائماً".

إن رحلة سيباستيان كورتس من قمة السياسة النمساوية إلى عالم التكنولوجيا السيبرانية الدولية، المليء بالفرص والتساؤلات الأخلاقية، تعكس تحولاً أوسع في المشهد العالمي حيث تتداخل المصالح السياسية والتجارية بشكل متزايد. يبقى السؤال معلقاً: هل هي عودة محتملة للسياسة، أم أن هذا هو الفصل الأخير في سعيه وراء النفوذ والثروة؟