إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

العمق الخفي للحرب: كيف تستغل روسيا الضعف البشري للتجسس داخل أوكرانيا

العمق الخفي للحرب: كيف تستغل روسيا الضعف البشري للتجسس داخل أوكرانيا
Saudi 365
منذ 5 ساعة
10

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في مشهد يجمع بين التراجيديا والخيانة في قلب الصراع الأوكراني، تتكشف تفاصيل قضية هريستينا غاركافينكو، الشابة الأوكرانية البالغة من العمر 19 عاماً وابنة القس، التي تحولت من مجتمعها الكنسي في بوكروفسك، شرق أوكرانيا، إلى عميلة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB). لم تكن زيارتها للكنيسة بعد ظهر يوم 19 يوليو/تموز 2024 بهدف الصلاة، بل كانت لإعداد هاتف محمول ككاميرا بث مباشر، موجهة إياه نحو طريق حيوي تستخدمه القوات والمركبات الأوكرانية المتجهة إلى جبهات القتال، في مهمة بث مباشر للمعلومات الاستخباراتية الروسية. هذه الحادثة، التي تبدو فردية، هي جزء من ظاهرة أوسع نطاقاً تكشف عن الأساليب المعقدة والمتطورة التي تعتمدها روسيا لاختراق النسيج الاجتماعي والأمني الأوكراني.

وفقاً للمدعين العامين الأوكرانيين، لم تكن هذه المهمة هي الوحيدة التي قامت بها غاركافينكو لصالح الاستخبارات الروسية. فقد تواصلت الشابة طوال عام كامل مع عميل روسي، مزودةً إياه بمعلومات دقيقة حول مواقع الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية في بوكروفسك، التي تُعد نقطة استراتيجية محورية في المنطقة. وفي مقابلة هاتفية نادرة من السجن، حيث تقضي عقوبة بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة الخيانة، صرّحت غاركافينكو لشبكة CNN قائلة: "أردتُ فقط التحدث إلى هذا الشخص أكثر. ولأنني أردتُ التحدث إليه، وافقتُ على مساعدته". وعلى الرغم من رفضها تأكيد وجود مشاعر رومانسية، إلا أن بافلو أوروفيتسكي، رئيس مكتب المدعي العام الإقليمي في دونيتسك، أشار إلى أن "إلى جانب موقفها المؤيد لروسيا، فقد طوّرت الشابة علاقة تتجاوز الصداقة مع ذلك الشخص"، مما يشير إلى تعقيدات الدوافع الشخصية التي قد تدفع الأفراد نحو التعاون مع جهات معادية.

شبكة التجسس الروسية: تحدٍ أمني متفاقم

تُعتبر قضية غاركافينكو مؤشراً على حجم التحدي الأمني الذي تواجهه أوكرانيا. فهي واحدة من آلاف الأوكرانيين الذين يُعتقد أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وأجهزة استخبارات روسية أخرى قد جندتهم للتجسس على بلادهم. وتُظهر الأرقام الصادرة عن جهاز الأمن الأوكراني (SBU) حجم هذه المشكلة؛ حيث فتح المحققون أكثر من 3800 تحقيق بتهمة الخيانة منذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط 2022. وقد أُدين أكثر من 1200 شخص وصدرت بحقهم أحكام تتراوح في المتوسط بين 12 و13 عاماً، بينما يُحكم على بعضهم بالسجن المؤبد، مما يعكس جدية السلطات الأوكرانية في التعامل مع هذه الجرائم التي تهدد الأمن القومي.

وفي هذا الصدد، يؤكد أندري ياكوفليف، محامي الدفاع والخبير في القانون الدولي الإنساني والجنائي في مبادرة الإعلام لحقوق الإنسان، أن أوكرانيا تضمن محاكمات عادلة وتحترم الإجراءات القانونية الواجبة. ويضيف أن النيابة العامة لا تلجأ إلى المحكمة إلا بوجود أدلة كافية، بعيداً عن أي ذريعة للحصول على إدانة، مما يرسخ الثقة في النظام القضائي الأوكراني رغم ظروف الحرب الاستثنائية. من جانبه، صرّح إيفان كيسيليفيتش، رئيس قسم في مكتب المدعي العام، بأن "تسريب المعلومات إلى المخابرات الروسية هو أكثر أنواع الخيانة شيوعاً في زمن الحرب"، مما يؤكد أن جمع المعلومات الاستخباراتية يمثل أولوية قصوى لروسيا.

تنوع المهام والأهداف: من الجبهة إلى البنية التحتية الحيوية

لا يقتصر نطاق مهام العملاء الروس على مناطق معينة أو أنواع محددة من المعلومات. فوفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإن العمليات الاستخباراتية الروسية لا تأخذ في الاعتبار الموقع الجغرافي من حيث القرب من مناطق القتال. فقد أوضح بيان صادر عن جهاز الأمن الأوكراني: "في مناطق الخطوط الأمامية، نعتقل في أغلب الأحيان عملاء يجمعون معلومات حول تحركات الجيش الأوكراني ومواقعه ويُسربونها. أما في غرب ووسط أوكرانيا، فيجمع العملاء الروس معلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ويُسربونها، كما يُحاولون القيام بأعمال تخريبية بالقرب من محطات توليد الطاقة الحرارية ومباني الشرطة وخطوط السكك الحديدية". هذا التنوع في الأهداف والانتشار الجغرافي يُظهر استراتيجية روسية شاملة تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية والأمنية لأوكرانيا على حد سواء.

علاوة على ذلك، حذّر سيرغي بيسكريستنوف، مستشار وزارة الدفاع الأوكرانية، مؤخراً من محاولات روسية لتجنيد أوكرانيين لتسجيل محطات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية "ستارلينك"، والتي يمكن للجيش الروسي استخدامها بعد حجب أنظمته غير المعتمدة. ويُعرض على الأوكرانيين الراغبين في ذلك مبلغ 300 دولار، مما يسلط الضوء على تكتيكات روسيا للاستفادة من التكنولوجيا المدنية لأغراض عسكرية والتغرير بالأفراد بمبالغ بسيطة.

دوافع التجنيد: المال يتقدم على الأيديولوجيا

تتسم فئات الأوكرانيين الذين تجندهم روسيا بتنوعها الكبير. فبينما كان البعض يُدفع بدوافع أيديولوجية مؤيدة لروسيا في بداية الصراع، إلا أن هذه الفئة آخذة في التضاؤل بشكل ملحوظ، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الأوكرانية. أما بالنسبة للغالبية العظمى، فقد أصبح المال هو الدافع الرئيسي للتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية. يشير جهاز الأمن الأوكراني إلى أن عملاء الاستخبارات الروسية يركزون في تجنيدهم على الأشخاص الأكثر حاجة للمال، مثل العاطلين عن العمل، أو الأفراد الذين يعانون من أنواع مختلفة من الإدمان، كالمخدرات أو الكحول أو القمار، مستغلين بذلك نقاط ضعفهم وحاجاتهم الاقتصادية.

وكما أوضح إيفان كيسيليفيتش، فإن "الأمر لا يتعلق بآلاف الدولارات. بالنسبة لمعظمهم، الأمر لا يتعدى بضع مئات من الدولارات أو منافع مادية أخرى... إنها أموال سهلة للخونة. ببساطة، يتلقون المال على بطاقاتهم دون التفكير في مصدره أو من أين يأتي". هذا التوجه يُبرز مدى استهانة روسيا بقيمة أرواح ومستقبل الأوكرانيين، حيث تستغل ضائقتهم المالية لتحقيق أهدافها الاستخباراتية. وقد صرّح ضابط بمكافحة التجسس في جهاز الأمن الأوكراني، فضلت شبكة CNN عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية عمله، بأن قنوات تيليغرام تُعد حالياً من أكثر أدوات التجنيد شيوعاً وفعالية.

وتفصيلاً لطريقة العمل، يشرح الضابط: "ينشر الروس إعلانات تعرض أموالاً سريعة وسهلة. ثم يُسندون المهام تدريجياً. في البداية، تكون هذه المهام بسيطة للغاية - كشراء القهوة، أو تصوير إيصال في مقهى. مقابل ذلك، تُحوّل الأموال إلى بطاقة مصرفية، وتبدأ عملية التجنيد تدريجياً. لاحقاً، تظهر مهام أكثر حساسية - كتركيب كاميرات على طول خطوط السكك الحديدية، وتصوير المنشآت العسكرية، وما إلى ذلك". ويُضيف أن رفض التعاون في مرحلة معينة غالباً ما يقابل بالابتزاز، حيث يهدد المجندون بتسليم المراسلات إلى جهاز الأمن الأوكراني، مما يجعل المتورطين في موقف لا سبيل للتراجع عنه، ويفرض عليهم الاستمرار في خدمة الاستخبارات الروسية تحت طائلة التهديد.

تعكس قصة غاركافينكو هذا النمط بشكل دقيق. فقد بدأت تواصلها عبر تيليغرام كمعارف عابرة، ثم كشف العميل عن هويته واقترح التعاون. وتقول الشابة، متحدثة من سجن النساء المخصص للمدانين بجرائم ضد الأمن القومي: "في البداية، كان مجرد تعارف عادي، وحديث عابر. ثم عرّف نفسه بأنه عميل للاتحاد الروسي واقترح التعاون". وعلى الرغم من أنها راودتها الشكوك ورغبتها في التوقف، إلا أن العميل طمأنها ووعدها بالحماية، قائلة: "صدقته". ورغم أنها تقاضت أجرًا من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، إلا أنها أكدت لشبكة CNN أن ذلك لم يكن دافعها الرئيسي.

تُعد قضية هريستينا غاركافينكو، بكل تفاصيلها المؤلمة، شهادة حية على التحديات المعقدة التي تواجهها أوكرانيا في مواجهة حرب لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد لتشمل حرباً خفية تستهدف النسيج المجتمعي وتستغل نقاط الضعف البشرية. إنها قصة تتجاوز مجرد خيانة فردية، لترسم صورة أوسع لجهود استخباراتية روسية ممنهجة تستهدف زعزعة الاستقرار الأوكراني من الداخل، وتُلقي بظلالها على مفهوم الولاء والانتماء في أوقات الأزمات.

الكلمات الدلالية: # التجسس الروسي # أوكرانيا # FSB # SBU # خيانة # حرب أوكرانيا # تجنيد عملاء # بوكروفسك # ستارلينك # الأمن القومي الأوكراني