روما - وكالة أنباء إخباري
الكشف عن ممر كומודوس: نافذة على عالم الأباطرة الرومان داخل الكولوسيوم
لطالما كانت روما، المدينة الخالدة، مركزًا للحضارة والتاريخ، حيث تقود كل الطرق إليها. وفي قلب هذه المدينة العريقة، يبرز الكولوسيوم كرمز أسطوري للقوة والهندسة الرومانية. الآن، يفتح ممر كומודوس، وهو جزء غامض من هذا الصرح العظيم، أبوابه للجمهور لأول مرة بعد جهود ترميم دقيقة، مما يتيح للزوار فرصة فريدة للسير على خطى الأباطرة الرومان والتجول في ممراتهم السرية.
يُعد الكولوسيوم، الذي كان يُعرف في الأصل باسم المدرج الفلافي، أكثر من مجرد ساحة للألعاب الوحشية؛ إنه مسرح للعرض والإبهار، حيث اجتمع العالم في روما ليقدمه الأباطرة لشعوبهم. وكما يوضح ألكسندر ماريوتي، مؤرخ المصارعين في المعهد البريطاني للتاريخ الروماني، فإن الأباطرة جلبوا العالم إلى روما، مقدمين لشعبهم صورًا من شمال أفريقيا والهند والغابات الجرمانية، دون الحاجة للسفر. لقد كان الكولوسيوم بمثابة شاشة عملاقة، تعرض سحر العالم وحضاراته المختلفة.
اقرأ أيضاً
- وفيات الشباب بعد الرعاية: 'مأساة وطنية' بمعدلات مقلقة في المملكة المتحدة
- مصرع شاب وإصابة امرأتين في حادث مروع إثر مطاردة شرطية قرب ستراتفورد أبون آفون
- المملكة المتحدة تستعد لعواصف رعدية وفيضانات محتملة مع إصدار تحذيرات صفراء
- حادث سير مروع على A66 بميدلزبره: مصرع 7 أشخاص ومداهمة منزل والد أحد الضحايا
- وفاة سائح فرنسي بوادي الموت جراء موجة حر قياسية
بدأ الإمبراطور فيسباسيان بناء هذا الصرح الضخم بالقرب من "ميلياريوم أوريوم" (Milliarium Auereum)، أو الميل الذهبي، وهو علامة مركزية كانت تعتبر نقطة انطلاق لجميع الطرق الرئيسية في الإمبراطورية. هذا القرب لم يكن مصادفة، بل كان يؤكد على أهمية الكولوسيوم كمركز للعرض الإمبراطوري. ورغم أن فيسباسيان لم يعش ليشهد اكتمال المدرج، إلا أن ابنه تيتوس أكمل البناء وافتتحه في عام 80 ميلادي بألعاب استمرت 100 يوم.
شهد المدرج الفلافي عروضًا مذهلة، بما في ذلك المعارك البحرية التي أقيمت في حلبة مغمورة بالمياه، مصحوبة بموسيقى أوركسترا كاملة. وصف ماريوتي هذه العروض بأنها "لا تصدق" و "وليمة بصرية"، مما يعكس البراعة الهندسية والإبداع الروماني في تقديم أقصى درجات الترفيه. لم يقتصر الأمر على المعارك التقليدية، بل امتد ليشمل استخدام نظام آلي معقد تحت الأرض لرفع البشر والحيوانات والدعائم إلى ساحة المعركة، مما يخلق تأثيرًا سحريًا أشبه بما نراه في الأفلام الحديثة.
لكن أبرز ما يميز الكولوسيوم هو الظهور المفاجئ للأباطرة أنفسهم في ساحة المعركة، وليس فقط من أماكنهم المخصصة في "بولفينار" (pulvinar)، أو المقصورة الإمبراطورية. كان الإمبراطور كومودوس، الذي اشتهر بمشاركته المباشرة في ألعاب المصارعة، هو الشخصية الرئيسية التي ارتبطت بهذا التقليد. يذكر ماريوتي أن الأباطرة كانوا يستخدمون بدلاء، وأن الأزياء والمؤثرات البصرية كانت مذهلة، حيث كانت الأشجار والحيوانات تظهر وتختفي، وكذلك الإمبراطور نفسه.
اليوم، يتيح "ممر كومودوس" للزوار فرصة استكشاف هذا التاريخ عن قرب. هذا الممر، الذي كان يستخدمه الأباطرة للوصول إلى أماكنهم، يحمل اسم كومودوس، الذي يبدو أنه استمتع بظهوره أمام الجمهور. يضيف هذا التناقض طبقة أخرى من الإثارة إلى الاكتشاف.
قصة هذا الممر تزداد عمقًا عندما نعود إلى التاريخ. وفقًا للمؤرخ كاسيوس ديو، نجا كومودوس من محاولة اغتيال في منطقة مظلمة داخل الكولوسيوم في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. وبينما يُعتقد أن هذا الممر قد يكون مسرحًا لتلك الحادثة، لا توجد أدلة قاطعة تدعم هذه النظرية حتى الآن. لم يكن الممر جزءًا من التصميم الأصلي للكولوسيوم، بل تم بناؤه بعد الافتتاح، حوالي عام 100 ميلادي. اكتُشف لأول مرة في أوائل القرن التاسع عشر وتم التنقيب عنه في عام 1874.
لا يزال أصل الممر غامضًا؛ فبينما نعرف أنه كان يؤدي إلى المقصورة الإمبراطورية، فإن نقطة بدايته غير محددة. يعتقد البعض أنه كان يتصل بثكنات المصارعين، مما يسمح للإمبراطور بالتفاعل مع المقاتلين قبل المعارك. وقد يكون أيضًا قد امتد إلى تل كيليان، أحد تلال روما السبعة. اليوم، يتقاطع الممر مع نظام الصرف الصحي الحديث في روما.
الجزء الخارجي من الممر كان تحت الأرض، بينما تم حفر الجزء الداخلي في أسس الكولوسيوم الخرسانية الصلبة. وصفت أنجيليكا بوجيا، كبير مرممي منتزه الكولوسيوم الأثري، هذا الجزء بأنه "ممر سري مخفي". وأشارت بوجيا إلى أن صعوبة بناء هذا الممر، والحاجة إلى قطع جزء من نظام الصرف الصحي القديم، تدل على أن شخصًا ذا أهمية بالغة قد أمر ببنائه.
شكلت الأضرار الناجمة عن المياه تحديًا مستمرًا لجهود الحفاظ على الممر وترميمه. تقع أساسات الكولوسيوم، التي يبلغ عمقها 14 مترًا، فوق وتحت شبكة من الأنهار والبحيرات الجوفية. ومن المثير للاهتمام أن الممر خضع لعمليات ترميم متعددة في العصور القديمة، ربما لنفس الأسباب. وتشير بوجيا إلى أن مشكلة المياه كانت موجودة على الأرجح حتى في عصر المدرج.
خلال العصور القديمة، اضطر العمال في عدة مناسبات إلى العمل على الجدران، واستبدلوا الكسوة الرخامية بزخارف جصية. كما قاموا ببناء جدار مزدوج، على غرار التقنيات الحديثة، لعزل الرطوبة عن الجزء الخارجي من الجدران. كان الممر، كبقية الكولوسيوم، مزينًا بزخارف فخمة. في البداية، كانت الجدران مكسوة بالرخام، كما يتضح من المشابك المعدنية التي كانت تثبته، والتي لا تزال موجودة بعد قرون. وفي مرحلة لاحقة، تم استبدال الرخام برسوم جدارية (فريسكو).
في الوقت الحاضر، قد لا يبدو الجزء المفتوح من الممر ملحوظًا مقارنة بالعمارة الرومانية الفخمة. اللون السائد هو الرمادي، ولم يتبق سوى القليل من الزخارف. ومع ذلك، فإن إدراك أنك تسير في المكان الذي سار فيه الأباطرة، يتطلب القليل من الخيال لإعادة الشعور بالرهبة والإعجاب. تظهر بقايا فريسكو، مع خطوط أفقية وآثار لأوراق خضراء باهتة، كشهادة صامتة على الماضي.
تصف بوجيا هذه الزخارف المتبقية بأنها "جلد" المعلم الأثري، والذي لم يتبق منه سوى القليل. وتشمل هذه البقايا زخارف جصية تصور عروضًا في المدرج مع بشر وحيوانات، بالإضافة إلى أجزاء من سقف الممر مزينة بفتحات كانت تحمل زخارف معدنية أو زجاجية، وقطع من الزهور المصنوعة من الجص.
من أكتوبر 2024 إلى سبتمبر 2025، قامت بوجيا وفريق من الخبراء بترميم الجزء المفتوح حاليًا من الممر. كانت عملية الترميم صعبة للغاية، حيث كان الجص متضررًا بشدة من المياه والتلوث، مما استلزم استخدام الليزر للتنظيف دون لمس. كما تم تقوية الجص وتركيب نظام إضاءة يحاكي ضوء النهار البارد الذي كان يتسرب من فتحات السقف، بالإضافة إلى توهج الشموع أو المصابيح الزيتية التي ربما كانت تضيء الممر.
لا يزال الجزء تحت الأرض من الممر مغلقًا خلف باب زجاجي، ومن المقرر أن يبدأ الفريق بترميم هذا الجزء خلال الأشهر القليلة المقبلة، مما يعد بالكشف عن المزيد من "جلد" الكولوسيوم.
ماذا كان سيرى الإمبراطور عند خروجه من هذا الممر إلى المقصورة الإمبراطورية؟ بالإضافة إلى ما كان يحدث في الحلبة، تسلط البروفيسورة كاثلين كولمان، أستاذة الدراسات الكلاسيكية بجامعة هارفارد، الضوء على ما كان يمكن ملاحظته في المدرج نفسه. "لقد كانت مشاهدة حيث كان الشعب الروماني حاضرًا بجميع فئاته"، كما توضح، مما يؤكد على الدور الاجتماعي والسياسي للكولوسيوم كمنصة تجمع كل طبقات المجتمع الروماني.
أخبار ذات صلة
- الكرملين يوضح موقفه من الدولار والتعاون الاقتصادي مع واشنطن: سياسات أمريكية وراء التخلي عن العملة الخضراء
- تسرب مياه كارثي يهدد كنوز متحف اللوفر الفرنسية
- روسيا والسعودية تؤكدان على تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتكثيف التعاون لمواجهة تحديات الشرق الأوسط
- بوتين يكشف الرؤية الروسية للأمن العالمي: نقد للقطبية الواحدة ودعوة للتوازن
- روسيا تبدأ الإنتاج التسلسلي لمحطات شحن السيارات الكهربائية المصممة لسيبيريا