فقدت المملكة العربية السعودية، الأحد، أحد أبرز رجالات الأعمال فيها، بوفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز الجميح عن عمر يناهز 93 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات في عالم التجارة والصناعة. شكّل الراحل على مدى عقود أحد أعمدة القطاع الخاص في البلاد، وأسهم بفاعلية في بناء وتطوير واحدة من أبرز المجموعات التجارية العائلية التي لعبت دوراً مهماً في تطور النشاط الاقتصادي السعودي.
نشأة في قلب التحولات الاقتصادية
ولد الشيخ حمد الجميح في محافظة شقراء، وسط السعودية، عام 1931 (1350 هجرياً)، ونشأ في بيئة تجارية بسيطة في فترة كانت فيها الحركة الاقتصادية للمملكة في بداياتها. وقد عاصر مراحل التحول الكبرى التي شهدتها البلاد، مروراً بمرحلة بناء الدولة الحديثة وتطور اقتصادها من الاعتماد على التجارة التقليدية إلى الانفتاح على الصناعة والخدمات الحديثة. هذه النشأة المبكرة في خضم التغيرات الاقتصادية صقلت شخصيته ومنحته بصيرة فريدة في فهم ديناميكيات السوق والتكيف معها.
يروي الراحل في أحاديثه عن بداياته أنه بدأ حياته العملية في سن مبكرة جداً، حيث كان يجمع بين الدراسة والعمل في متجر العائلة. فكان يذهب إلى المدرسة صباحاً ثم يعمل في المتجر (الدكان) بعد الظهر لبيع الأقمشة والبضائع الأساسية مثل القهوة والهيل والسكر. وقد وصف هذا التوازن بين التعليم والعمل بأنه "مدرسة مبكرة في الانضباط والمسؤولية"، وغرس فيه قيم الاعتماد على الذات والاجتهاد.
اقرأ أيضاً
قيم راسخة وأسس النجاح
لطالما أكد الشيخ حمد الجميح على أهمية القيم الأخلاقية في بناء النجاح التجاري. يقول في حديث سابق: «كانت قيم الأمانة والالتزام من أبرز ما تشكلت عليه شخصيتي منذ تلك السنوات»، مشيراً إلى أنه اعتاد منذ شبابه الحفاظ على أموال التجارة بدقة شديدة. وكان يروي أن العائلة كانت تفصل تماماً بين المال الشخصي ومال البضاعة، وهو مبدأ ظل يؤكد أنه أساس النجاح والاستمرارية في العمل التجاري، ومفتاح اكتساب الثقة والمصداقية في السوق.
توسيع الإمبراطورية التجارية: من الرياض إلى العالمية
مع انتقال العائلة إلى الرياض واتساع النشاط التجاري، بدأت مرحلة جديدة وحاسمة في مسيرة الشيخ حمد الجميح. شارك بفاعلية في تطوير أعمال العائلة وتوسيعها، مستفيداً من رؤيته الثاقبة وقدرته على اغتنام الفرص. تحولت أعمال العائلة تدريجياً لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز المجموعات التجارية في المملكة، وهي مجموعة الجميح القابضة.
كان له دور بارز في الحصول على عدد من الوكالات التجارية العالمية التي غيرت مسار المجموعة والاقتصاد السعودي. من أبرز هذه الإنجازات كانت وكالة «بيبسي كولا» في المملكة، التي شكّلت نقطة تحول كبرى، ليس فقط للمجموعة بل لقطاع المشروبات في البلاد. إلى جانب ذلك، تطور نشاط المجموعة في قطاع السيارات عبر شراكات استراتيجية مع شركات عالمية رائدة، كان أهمها شركة «جنرال موتورز» الأميركية، مما جعل الجميح للسيارات اسماً رائداً في هذا القطاع الحيوي.
وقد شهدت المجموعة خلال تلك الفترة توسعاً كبيراً في أنشطتها، لتشمل مجالات متعددة من التجارة والصناعة والخدمات، معتمدة في نموها على السمعة التجارية الطيبة والالتزام المهني الصارم. هذه القيم كان الشيخ حمد الجميح يحرص دائماً على ترسيخها داخل الشركة العائلية، مؤكداً أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي عمل تجاري.
قيادة وإرث مؤثر
تولّى الراحل رئاسة العائلة بعد رحيل المؤسسين، كما شغل مناصب قيادية عليا في عدد من الشركات والمؤسسات التابعة للمجموعة. من بين هذه المناصب رئاسته لمجلس إدارة شركة الجميح للسيارات وشركة الجميح للمشروبات، إضافة إلى توليه منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة الجميح القابضة. كما امتد اهتمامه إلى مسقط رأسه، حيث ترأس مجلس إدارة مؤسسة التطوير والتنمية في محافظة شقراء، مما يعكس التزامه تجاه مجتمعه.
عُرف الشيخ حمد الجميح باهتمامه العميق بالعمل التنموي والاجتماعي، خصوصاً في محافظة شقراء. دعم عدداً كبيراً من المبادرات التنموية والخيرية، إيماناً منه بالدور المحوري لرجال الأعمال في خدمة المجتمع إلى جانب دورهم الاقتصادي، وترك بصمات واضحة في تطوير البنية التحتية والمشاريع الاجتماعية في المنطقة.
وفاة قامة اقتصادية
نعت شركة الجميح القابضة فقيدها في بيان رسمي، مؤكدة على مساهماته الجليلة في مسيرة المجموعة والاقتصاد الوطني. وبرحيل الشيخ حمد الجميح، تفقد الساحة الاقتصادية السعودية واحداً من رجال الأعمال العصاميين الذين عاصروا بدايات النهضة الاقتصادية للمملكة، وأسهموا بفاعلية في بناء مؤسسات تجارية عائلية تحولت مع الزمن إلى كيانات اقتصادية مؤثرة وقوى دافعة للتنمية في السوق السعودية. يظل إرثه خالداً كنموذج للقيادة الرشيدة والرؤية الثاقبة والالتزام بالقيم.
أخبار ذات صلة
- انطلاق كأس الملك ريبسول الـ22 للقوارب الكلاسيكية في ماهون
- كندا ترد بحزم: رسوم جمركية تصل إلى 50% على سلع أمريكية في تصعيد للحرب التجارية
- غاراميندي يؤمّن ولاية جديدة لرئاسة CEOE: تعزيز داخلي وتصعيد ضد الحكومة
- عودة مورينيو إلى البرنابيو: 'ترحيب الجماهير يجب أن يكون للفريق لا لي شخصيًا'
- روبليس تتهم الداخلية بالتقصير: المخابرات حذرت من هجوم سبتة