إخباري
الأحد ٥ يوليو ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٠ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

ريموند تشاندلر وقضية الفعل المضارع المقسم: جدل حول اللغة والإبداع

صراع بين كاتب شهير ومحررة لغوية يكشف عن رؤى حول طبيعة اللغة

ريموند تشاندلر وقضية الفعل المضارع المقسم: جدل حول اللغة والإبداع
عبد الفتاح يوسف
2026-03-15 18:45
3

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

ريموند تشاندلر وقضية الفعل المضارع المقسم: جدل حول اللغة والإبداع

في عالم الأدب والسينما، غالبًا ما تتجاوز الخلافات مجرد الحبكة والشخصيات لتصل إلى التفاصيل الدقيقة التي تشكل جوهر العمل، وأحيانًا، الكلمات نفسها. في عام 1948، وجد الكاتب الشهير ريموند تشاندلر، المعروف برواياته البوليسية وأعماله السينمائية، نفسه في مواجهة غير متوقعة ليست مع نجوم هوليوود أو منتجيها، بل مع محررة لغوية في مجلة "الأتلانتيك" المرموقة. كان محور هذا الصدام اللغوي هو ما يُعرف بـ "الفعل المضارع المقسم" (split infinitive)، وهو بناء نحوي أثار جدلاً واسعًا في اللغة الإنجليزية، وأصبح رمزًا لخلاف أعمق حول طبيعة اللغة، الإبداع، والالتزام بالقواعد.

كان تشاندلر، الذي كان على وشك نشر مقال نقدي لاذع عن صناعة السينما في هوليوود بعنوان "عبادة الجوجو في هوليوود" (Juju Worship in Hollywood)، يرى أن لغته تعكس أسلوبه الخاص في الكتابة. يصف تشاندلر أسلوبه بأنه "نوع من اللغة المكسورة تشبه طريقة تحدث نادل سويسري". وعندما اكتشف أن محررة في "الأتلانتيك"، تدعى مارغريت متش، قد قامت بتصحيح فعل مضارع مقسم في نصه، شعر بالإهانة. أرسل تشاندلر رسالة إلى إدوارد ويكس، محرر المجلة، ليبلغها بأن "عندما أقسم الفعل المضارع، لعنة الله، أقسمه ليبقى مقسومًا". كان يرى أن هذه التعديلات، التي قد تبدو تافهة للبعض، هي جزء لا يتجزأ من شخصيته الأدبية وأسلوبه الفريد، وأنها تتم "بعينين مفتوحتين وعقل مسترخٍ ولكنه منتبه".

مارغريت متش، المحررة اللغوية التي كانت تعمل في "الأتلانتيك" منذ فترة طويلة، كانت تؤدي واجبها المهني في ضمان دقة القواعد النحوية ووضوح الأسلوب قبل النشر. لكن بالنسبة لتشاندلر، بدت متش كـ "شخصية شريرة نمطية" تسعى لفرض قيود صارمة على اللغة. كرد فعل على هذا التعديل، قام تشاندلر بكتابة قصيدة ساخرة بعنوان "خطوط إلى سيدة ذات فعل مضارع غير مقسوم" (Lines to a Lady With an Unsplit Infinitive). في هذه القصيدة، يصور تشاندلر اللغة على أنها كائن حي ينمو ويزدهر من خلال كسر القواعد والتعبيرات العامية، بينما يصور متش كشخصية جامدة وغير مبالية، تقتل إبداعه بـ "نظرة جليدية". القصيدة تنتهي بمقطع ساخر: "آه يا الآنسة متش، اتركي عكازك"، ثم يصور موته بسبب خطأ مطبعي، "هنا يرقد خطأ مطبعي".

المفارقة في الأمر أن "Oscar Night in Hollywood"، وهو العنوان النهائي لمقال تشاندلر، احتوى على فعل مضارع مقسم واحد فقط: "إنه الفن الوحيد"، كما كتب عن صناعة الأفلام، "الذي لدينا في هذا الجيل فرصة كبيرة للتفوق فيه". لم يثبت أن هذه العبارة تحديدًا كانت سبب غضب تشاندلر، بل إن الخلاف حولها يبدو تافهًا مقارنة بالرسالة الأوسع التي أراد إيصالها. حتى ه. و. فاولر، المؤلف المرجعي في "قاموس الاستخدام الإنجليزي الحديث"، أقر عام 1927 بأن كل حالة لها خصوصيتها، وأن تقسيم الأفعال المضارعة قد يكون مقبولًا بل وضروريًا في بعض الأحيان.

لم تكن متش مجرد محررة لغوية عادية؛ بل كانت امرأة تعمل في مجال كانت فيه النساء غالبًا ما يُنظر إليهن في أدوار داعمة. وقد أشارت بعض المصادر إلى أنها نشأت كاثوليكية خارج بوسطن، وتخرجت من رادكليف عام 1920، وعملت في دور نشر مرموقة. في مقالته، دافع تشاندلر عن "الشخصيات الصغيرة" في عالم السينما، مثل مشغلي الكاميرات والموسيقيين والمحررين، ولكنه لم يمنح نفس القدر من التفهم لـ "الشخصيات الصغيرة" في عالم النشر. لقد صور نفسه كفنان مغترب، مضطهد من قبل القيود التعسفية، سواء كانت قواعد اللغة أو ضغوط هوليوود التجارية.

كان استياء تشاندلر من هوليوود مشابهًا لضغينته ضد متش. فبينما كانت هوليوود تسحبه نحو الرداءة من خلال أكواد الإنتاج وضغط شباك التذاكر، كانت متش تمثل بالنسبة له قيودًا لغوية اعتبرها تعسفية. كان يعتقد أن الأفلام الجيدة، خاصة تلك التي تتميز بالجرأة والصراحة، غالبًا ما تُقابل بالرفض من قبل جمهور "عقوله مصقولة" أو "حراس ذلك المزيج المروع من الملل وسوء الأدب".

من المثير للاهتمام أن تشاندلر، الذي كان ينتقد بشدة صناعة السينما، قد يكون قد انتقد فيلمًا مثل "معجزة في الشارع 34" (Miracle on 34th Street) لو فاز بجائزة أفضل فيلم عام 1948، حيث كان يمثل نوع الإنتاج الهوليوودي الذي استهجنه. ولكنه لم يفز، بل ذهبت الجائزة لفيلم "اتفاق السيد" (Gentleman's Agreement) للمخرج إيليا كازان، وهو فيلم جاد تناول قضية معادية السامية في أمريكا ما بعد الحرب. هذا يشير إلى أن النظام الذي شكك فيه تشاندلر أنتج أحيانًا نتائج فنية مقبولة.

في نهاية المطاف، تظل قصة مارغريت متش، المحررة التي أمضت حياتها في صقل كلمات الآخرين، غير مكتملة. بخلاف دورها في قصة تشاندلر وقصيدته، فإن جانبها من القصة غير معروف. توفيت عام 1997 عن عمر يناهز 99 عامًا. وبينما ظلت ملاحظاتها في هوامش الصفحات شاهدة على عملها، فإن رأيها في قصيدة تشاندلر الساخرة يظل صامتًا. تظل هذه الحادثة مجرد نافذة على التوتر الدائم بين الدقة اللغوية والإبداع الفني، وبين التزام الكاتب بالقواعد ورؤيته الخاصة للعالم.

الكلمات الدلالية: # ريموند تشاندلر # الأتلانتيك # اللغة الإنجليزية # قواعد اللغة # الفعل المضارع المقسم # مارغريت متش # النقد الأدبي # هوليوود # صناعة الأفلام # التاريخ الأدبي