إخباري
الأربعاء ٤ مارس ٢٠٢٦ | الأربعاء، ١٥ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

ستيفن هوكينج: ورقة علمية صغيرة غيرت فهمنا للثقوب السوداء

الذكرى الخمسون لنشر بحث هوكينج الثوري حول إشعاع الثقوب السود

ستيفن هوكينج: ورقة علمية صغيرة غيرت فهمنا للثقوب السوداء
7DAYES
منذ 3 ساعة
9

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

ستيفن هوكينج: ورقة علمية صغيرة غيرت فهمنا للثقوب السوداء

في الأول من مارس عام 1974، نشر الفيزيائي الشاب آنذاك، ستيفن هوكينج، ورقة بحثية قصيرة لم تتجاوز صفحتين في مجلة "Nature" العلمية المرموقة. لم تكن هذه الورقة مجرد مساهمة علمية أخرى، بل كانت الشرارة التي أشعلت ثورة في فهمنا للكون، خاصة فيما يتعلق بأكثر الظواهر غموضًا وجاذبية: الثقوب السوداء. حملت الورقة عنوان "انفجارات الثقوب السوداء؟" (Black hole explosions?)، وسرعان ما أصبحت إرثًا دائمًا لهوكينج، معيدةً تشكيل أسس الفيزياء الفلكية.

قبل عام 1974، كانت الثقوب السوداء تُفهم بشكل أساسي من خلال نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين. وفقًا لهذه النظرية، فإن الثقوب السوداء هي مناطق في الزمكان ذات جاذبية شديدة لدرجة أن لا شيء، ولا حتى الضوء، يمكن أن يفلت من قبضتها. هذا المفهوم يعني ضمنيًا أن الثقوب السوداء يجب أن تنمو فقط مع مرور الوقت، مستهلكة المادة المحيطة بها أو تندمج مع ثقوب سوداء أخرى لتصل إلى أحجام هائلة.

لكن هوكينج، وهو في ريعان شبابه بعمر 32 عامًا، كان لديه رؤية مختلفة. على مدى السنوات القليلة التي سبقت نشر ورقته، كان يستكشف بعمق كيف يمكن لميكانيكا الكم، وهي مجموعة القوانين الغريبة التي تحكم سلوك الجسيمات دون الذرية، أن تؤثر على نمو وتطور الثقوب السوداء. من خلال دمج النسبية العامة مع قوانين الديناميكا الحرارية ومبادئ فيزياء الكم الأساسية، وبناءً على عمل الفيزيائي النظري جاكوب بيكنشتاين، توصل هوكينج إلى استنتاج مذهل: الثقوب السوداء ليست سوداء تمامًا.

اقترح هوكينج أن الثقوب السوداء تصدر إشعاعًا حراريًا بكميات ضئيلة. في كتابه الشهير "تاريخ موجز للزمن" (A Brief History of Time) الذي نُشر عام 1988، أوضح هوكينج هذه الظاهرة بأنها تنشأ من أزواج الجسيمات "الافتراضية" التي تظهر وتختفي باستمرار في الفراغ الكوني. في بعض الأحيان، قد يظهر أحد الجسيمين خارج أفق الحدث للثقب الأسود، بينما يظهر الآخر بداخله. يسقط أحد الجسيمين في الثقب الأسود، بينما يتمكن الآخر من الإفلات، حاملًا معه جزءًا صغيرًا من طاقة الثقب الأسود على شكل حرارة. مع مرور الوقت، يؤدي فقدان هذه الحرارة، أو الإشعاع، إلى تقلص حجم الثقب الأسود. هذا التقلص يزيد من جاذبية سطحه، مما يؤدي بدوره إلى تسريع عملية الإشعاع، وبالتالي تبخر الثقب الأسود في نهاية المطاف، وربما ينتهي بانفجار.

أطلق على هذه الظاهرة اسم "إشعاع هوكينج". وبينما خلصت الدراسة إلى أن الثقوب السوداء ذات الكتل الكبيرة (مثل كتلة الشمس أو أكبر) ستستغرق وقتًا أطول من عمر الكون لتبخر، تساءل هوكينج عما إذا كانت الثقوب السوداء البدائية الصغيرة جدًا، والتي ربما تكونت في اللحظات الأولى للكون نتيجة لتقلبات كمومية، قد تبخرت بالفعل. وذكر هوكينج في ورقته بسخرية جافة أن "هذا انفجار صغير نسبيًا بالمعايير الفلكية، لكنه يعادل حوالي مليون قنبلة هيدروجينية من طراز 1 ميغاطن".

لم يكن إشعاع هوكينج مجرد اكتشاف نظري مثير للاهتمام، بل كشف أيضًا عن مفارقة عميقة في فيزياء الثقوب السوداء، تُعرف بـ "مفارقة معلومات الثقب الأسود". إذا كانت الثقوب السوداء تتبخر، فهذا يعني أن "المعلومات" حول كل ما سقط فيها قد تضيع إلى الأبد. وهذا يتعارض مع أحد المبادئ الأساسية لميكانيكا الكم: مبدأ الحفظ، الذي ينص على أن المعلومات لا يمكن إنشاؤها أو تدميرها. على مدى العقود الأربعة التالية، وحتى وفاته في عام 2018، كرس هوكينج جزءًا كبيرًا من جهوده لمحاولة حل هذه المفارقة.

في محاضرة عامة ألقاها في السويد عام 2015، أكد هوكينج مجددًا على اقتراحه بأن المعلومات يمكنها بالفعل الهروب من الثقب الأسود، ربما عبر ثقب دودي. لقد قال: "الثقوب السوداء ليست سوداء كما تبدو. إنها ليست السجون الأبدية التي كان يُعتقد أنها كذلك. يمكن للأشياء أن تخرج من الثقب الأسود من الخارج، وربما تخرج في كون آخر".

بعد وفاته، نشر بعض زملائه سلسلة من الأوراق البحثية التي بدت وكأنها تقدم حلاً للمفارقة، حيث افترضوا أن المعلومات لا تُفقد عند دخول الثقب الأسود، بل يتم "إعادة تقييمها" أو إخراجها بطريقة ما. وفي عام 2024، اقترح فيزيائيون طريقة جديدة للكشف عن هذه المعلومات: الادعاء بأن المعلومات التي يبتلعها الثقب الأسود تترك آثارًا في تموجات دقيقة في الزمكان المحيط بهذه الوحوش الكونية. هذه التموجات، بحسب الاقتراح، يمكن اكتشافها من خلال موجات الجاذبية التي نرصدها بالفعل باستخدام المراصد الضخمة.

حتى الآن، لم يتم العثور على دليل مباشر على انفجارات الثقوب السوداء أو الثقوب السوداء البدائية. ومع ذلك، فقد اكتشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي مؤخرًا مجرة قديمة يمكن تفسير وجودها من خلال فرضية الثقوب السوداء البدائية. يبقى عمل هوكينج في عام 1974 حجر الزاوية في فهمنا للثقوب السوداء، ويستمر في إلهام الأجيال الجديدة من العلماء لاستكشاف أعمق أسرار الكون.

الكلمات الدلالية: # ستيفن هوكينج # الثقوب السوداء # إشعاع هوكينج # فيزياء الكم # النسبية العامة # مفارقة المعلومات # علم الفلك # تاريخ العلوم