إخباري
الأربعاء ١٨ فبراير ٢٠٢٦ | الأربعاء، ١ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

صدمة الجينوم تكسر حاجز التهجين: ثورة محتملة في عالم النبات

اكتشاف ياباني يكشف آلية طبيعية لتجاوز 'فتك الهجين' ويفتح آفا

صدمة الجينوم تكسر حاجز التهجين: ثورة محتملة في عالم النبات
المنصة المصرية
منذ 3 يوم
12

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

اكتشاف ياباني رائد يفتح آفاقاً لتحسين النباتات

لطالما مثّل التهجين بين الأنواع النباتية المختلفة تحديًا بيولوجيًا كبيرًا، حيث ينفرد عالم النبات بظاهرة فريدة تتمثل في أن النسل الناتج عن تزاوج نوعين متباينين غالبًا ما يواجه مصيرًا محتومًا بالفشل أو الموت المبكر. تكمن هذه المعضلة الوراثية، المعروفة علميًا بـ 'فتك الهجين'، في اختلاط جينات غير متوافقة داخل الحمض النووي للنسل، ما يؤدي إلى انهيار حيوي قاتل ويعمل كحاجز تكاثري طبيعي للحفاظ على انفصال الأنواع واستقلالها الجيني. ومع ذلك، أظهرت أبحاث حديثة من جامعة أوساكا متروبوليتان اليابانية اختراقًا مذهلاً قد يغير هذا التصور السائد، ليكشف عن آلية بيولوجية عجيبة تمكن بعض الشتلات الهجينة من تجاوز هذا الحاجز القاتل والنمو بشكل طبيعي.

نشرت نتائج هذه الدراسة المبتكرة في دورية "فرونتيرز إن بلانت ساينس" (Frontiers in Plant Science)، حيث رصد الباحثون ظاهرة غير متوقعة في بعض الشتلات الهجينة الناتجة عن تهجين التبغ المزروع مع أقاربه البرية. خلافًا للتوقعات المعتادة، لم تتعرض هذه الشتلات للموت الوراثي، بل نمت وازدهرت بطريقة طبيعية تمامًا. يمثل هذا الاكتشاف نقطة تحول حاسمة، إذ يوفر مفتاحًا محتملاً لكسر القيود الوراثية التي طالما أعاقت جهود تحسين المحاصيل وخلق أصناف هجينة جديدة تحمل سمات مرغوبة.

'فتك الهجين': المعضلة الوراثية والحاجز التكاثري

لفهم حجم هذا الإنجاز، يتوجب علينا أولاً استيعاب مفهوم 'فتك الهجين'. عندما تتزاوج أنواع نباتية مختلفة، تتحد جينوماتها، لكن هذا الاتحاد قد يؤدي إلى مزيج جيني غير متناغم. ففي كل نوع، قد يوجد جين معين، وعندما يقابله الجين النظير من النوع الآخر في النسل الهجين، فإنه يُحفز سلسلة من التفاعلات الخلوية التي تؤدي إلى موت النبات. هذا التفاعل الجيني السلبي هو ما يطلق عليه 'فتك الهجين'، وهو بمثابة آلية دفاعية طبيعية تضمن عدم اختلاط الجينات بشكل عشوائي بين الأنواع، وبالتالي تحافظ على التنوع البيولوجي وتمايز الأنواع.

ما كشفته الدراسة اليابانية هو وجود استثناء لهذه القاعدة الصارمة. فقد اكتشف الباحثون، بعد تحليل دقيق للشتلات الهجينة الناجية، أن أحد الجينات التي تسبب الموت الهجين قد اختفى تمامًا من تركيبها الجيني. هذا الاكتشاف المذهل دفع العلماء للبحث عن الآلية الكامنة وراء هذا الاختفاء غير المتوقع، والذي أدى إلى إنقاذ حياة الشتلات الهجينة وفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات الجينية المعقدة.

فك شفرة البقاء: آلية 'صدمة الجينوم'

الآلية العجيبة التي أدت إلى اختفاء الجينات المميتة في الشتلات الناجية أطلق عليها العلماء اسم "صدمة الجينوم" (Genome Shock). تحدث هذه الظاهرة عندما تندمج جينومات نوعين مختلفين، مما يؤدي إلى اضطراب كبير ومفاجئ في التركيب الجيني للهجين الجديد. هذا الاضطراب لا يقتصر على مجرد خلط الجينات، بل يمكن أن يتسبب في إعادة ترتيب هائل للكروموسومات، أو إسكات بعض الجينات (أي إيقاف تعبيرها)، أو حتى حذف أجزاء كاملة من الحمض النووي. وفي حالة الشتلات الهجينة الناجية التي درسها فريق جامعة أوساكا متروبوليتان، وجد الباحثون أن "صدمة الجينوم" قد تسببت تحديدًا في إزالة الجين المميت الذي كان من شأنه أن يقضي عليها، مما سمح لها بالبقاء والنمو بصحة جيدة.

إن فهم هذه الآلية يمثل قفزة نوعية في علم الوراثة النباتية. فبدلًا من أن تكون "صدمة الجينوم" حدثًا سلبيًا يؤدي إلى الانهيار، أظهرت هذه الدراسة أنها يمكن أن تكون محفزًا للتغيير الوراثي التكيفي، حيث يتم تعديل الجينوم بطريقة تمكن الهجين من التغلب على عقبات وراثية قاتلة. هذا يفتح مسارات جديدة للتفكير في كيفية تفاعل الجينومات المتباينة وكيف يمكن للنباتات أن تطور آليات للبقاء في ظل ظروف وراثية صعبة.

لماذا لا تحدث 'صدمة الجينوم' دائمًا؟

السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه بعد هذا الاكتشاف هو: لماذا لا يحدث هذا التجاوز لـ 'فتك الهجين' دائمًا في كل عمليات التهجين بين الأنواع؟ الإجابة التي قدمتها الدراسة تشير إلى عدة عوامل أساسية تحدد نجاح أو فشل هذه الآلية. أولاً، ليست كل الأنواع النباتية متماثلة في استقرار جينوماتها؛ فبعضها يتمتع بجينومات مستقرة للغاية ومقاومة للتغيرات الجذرية. ثانيًا، قد تكون الجينات المميتة في بعض الأنواع محمية بآليات وراثية معقدة تجعلها غير قابلة للحذف أو الإلغاء بسهولة بفعل "صدمة الجينوم".

ثالثًا، تلعب درجة الاختلاف الجيني بين الأنواع المتزاوجة دورًا حاسمًا. فـ "صدمة الجينوم" تحدث غالبًا عندما يكون هناك تباين جيني كبير نسبيًا بين الأبوين، لكن ليس لدرجة أن يكون التباين شديدًا لدرجة تتسبب في موت الهجين فوريًا قبل أن تتاح لـ "صدمة الجينوم" فرصة إحداث التغيير. وأخيرًا، لا يمكن إغفال دور الصدفة. فحتى بين الأنواع المتقاربة وراثيًا، فإن إزالة الجين المميت تعتمد على إعادة ترتيب جيني محدد وعشوائي نسبيًا داخل الجينوم الهجين، مما يعني أن النجاح ليس مضمونًا في كل محاولة تهجين، بل هو نتيجة لمجموعة معقدة من الظروف المتوفرة.

آفاق مستقبلية واعدة لتحسين المحاصيل

يعلق تاكاهيرو تيزوكا، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات العليا للزراعة بجامعة أوساكا متروبوليتان والباحث المشارك في الدراسة، بتفاؤل كبير على هذه النتائج، مؤكدًا أنها مجرد بداية. يرى تيزوكا أن هناك حاجة ماسة لمزيد من الدراسات المتعمقة لفهم آليات "صدمة الجينوم" بشكل كامل، وكيفية استخدامها بفعالية لإزالة العوائق الوراثية التي تمنع عادة اختلاط الأنواع المختلفة. ويوضح أن هذا الفهم من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة وغير مسبوقة لتحسين المحاصيل الزراعية على نطاق واسع.

ويضيف تيزوكا: "عند كسر هذا الحاجز التناسلي، ستتمكن النباتات من مزج الجينات بحرية أكبر بين الأنواع المختلفة. هذا قد يؤدي في النهاية إلى ظهور أنواع نباتية جديدة تجمع بين سمات مفيدة متعددة، مثل مقاومة فائقة للأمراض، أو قدرة استثنائية على تحمل الجفاف، أو زيادة في الإنتاجية، وهي سمات كانت سابقًا محصورة في أنواع معينة. هذه القدرة على 'تصميم' النباتات الهجينة بهذه الطريقة يمكن أن تحدث ثورة في الزراعة العالمية، وتساهم بشكل كبير في تحقيق الأمن الغذائي المستدام لمواجهة التحديات البيئية والمناخية المتزايدة." إن هذا الاكتشاف لا يغير فهمنا البيولوجي فحسب، بل يمهد الطريق لابتكارات زراعية غير مسبوقة.

الكلمات الدلالية: # صدمة الجينوم # تهجين النباتات # فتك الهجين # تحسين المحاصيل # جامعة أوساكا متروبوليتان # وراثة النباتات # حاجز تكاثري # جينات مميتة # زراعة # علوم النبات