إخباري
الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦ | الخميس، ١١ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

عاصفة اليوان تضرب الدولار: هل تتهيأ الصين لعرش عالمي جديد؟

منذ الأزمة المالية 2008، والصين تعمل بصمت لزعزعة هيمنة الدول

عاجل
عاصفة اليوان تضرب الدولار: هل تتهيأ الصين لعرش عالمي جديد؟
عبد الفتاح يوسف
منذ 1 شهر
125

بعد نحو 16 عامًا من الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي بين عامي 2008 و2009، وغيرت ملامح السياسة النقدية الدولية، تبرز الصين كلاعب رئيسي في مشهد التنافس على عرش العملات العالمية، مستغلةً تلك الحقبة كنقطة انطلاق لتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي. ففي الوقت الذي لجأ فيه الاحتياطي الفيدرالي لسياسة التيسير النقدي لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، رأت بكين في ذلك تهديدًا لأصولها الخارجية الهائلة، فبدأت مشروعها الطموح لتدويل اليوان.

اليوان يزحف بخطى ثابتة: أرقام تكشف التحول

ما بدأ كمشروع تجريبي في يوليو 2009 لتسوية التجارة عبر الحدود باليوان، تحول اليوم إلى واقع ملموس. فبكين تعلن أن 30% من تجارتها الخارجية، البالغة 6.2 تريليون دولار، تُسدد الآن باليوان، ارتفاعًا من 20% فقط في عام 2022. وإذا ما أُخذت جميع المدفوعات العابرة للحدود بالاعتبار، بما في ذلك شراء السندات والاستثمار، فإن حصة اليوان قفزت إلى 53%، متجاوزةً بذلك حجم التجارة الصينية بالدولار لأول مرة في عام 2023.

هل الدولار في خطر حقيقي؟ جدل الأرقام

على الرغم من صعود اليوان، لا تزال هيمنة الدولار راسخة. ففي المعاملات الدولية، ارتفعت حصة اليوان لتصبح ثاني أكثر العملات استخدامًا لفترة وجيزة العام الماضي، متجاوزًا اليورو، لكن بنسبة متواضعة بلغت 5.8% فقط، مقارنة بـ 82% للدولار. وفي احتياطيات العملات العالمية، بلغ اليوان أعلى مستوياته على الإطلاق بحصة 2.4%، بينما يستحوذ الدولار على 57% واليورو على 20%. هذه الأرقام المتواضعة لا تثني الصين عن خطتها الواقعية لزعزعة الهيمنة المطلقة للدولار، ليس لإسقاطه تمامًا، بل للحد من سطوته وتثبيت مكانة عملتها.

استراتيجية الصين: تدويل اليوان في الاقتصاد الحقيقي

على عكس أحاديث دول «بريكس» عن عملة موحدة، تركز الصين على تعزيز دور اليوان تدريجيًا في التجارة العالمية، مع الحفاظ على ضوابط الصرف. هدف بكين ليس إيجاد عملة مهيمنة ماليًا، بل جعل اليوان عملة دولية للتجارة والاقتصاد الحقيقي. وقد استغلت نفوذها الاقتصادي الهائل والظروف الجيوسياسية المواتية لزيادة حصة المعاملات المسددة باليوان. كما قفزت احتياطيات الصين من النقد الأجنبي إلى 3.339 تريليون دولار في سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ عام 2015.

أسلحة الصين الأخرى: النفط والمعادن الثمينة

لا تتوقف استراتيجية الصين عند هذا الحد. فقد خفضت وزن الدولار الأمريكي بشكل منهجي في سلة عملات نظام تداول العملات الأجنبية الصيني (CFETS)، ليبلغ 18.903% للدولار بحلول عام 2025. والأبرز هو التحول في أسواق النفط العالمية، حيث تمت تسوية خُمس تجارة النفط العالمية بعملات غير الدولار في عام 2023، بعد هيمنة شبه كاملة للدولار في 2009. كما أنجزت الصين أول عملية دفع عابرة للحدود للنفط باليوان الرقمي، وتجري شركاتها النفطية المملوكة للدولة عمليات شراء عديدة بالعملة الصينية.

أفريقيا ومواردها: قلب التحول الجيوسياسي

تدرك الصين أن النفوذ لا يتعلق فقط بالعملات، بل بمن يحدد أسعار السلع ومن يتحكم بالمصادر الحيوية. وتمتلك أفريقيا نحو 30% من المعادن الحيوية في العالم، من الكوبالت في الكونغو إلى البلاتين في جنوب أفريقيا. ولهذا السبب، ضخت الصين استثمارات هائلة عبر مبادرة الحزام والطريق في قطاع التعدين الأفريقي، ليرتفع استثمارها بنحو 400% في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالعام السابق. وقد اندمج «ستاندرد بنك جروب»، أكبر بنك في أفريقيا، مع النظام الصيني للمدفوعات العابرة للحدود بين البنوك (CIPS)، مما يعني أن شحنات الكوبالت من الكونغو إلى شنغهاي يمكن تسويتها الآن باليوان مباشرة، متجاوزة الدولار تمامًا.

الذهب يعود: انعكاس لتراجع الثقة بالدولار

تتزامن هذه التحركات مع عودة الذهب كملجأ آمن، حيث سحبت نيجيريا وغانا احتياطياتهما من الذهب وأعادتها إلى الوطن وزادتا منها. ارتفع سعر الذهب بأكثر من 70% هذا العام، بينما انخفض الدولار بأكثر من 8%، مسجلًا أسوأ أداء سنوي منذ 2017. هذا الانتعاش للذهب لا يعني بالضرورة أنه بديل للدولار، بل يعكس إحجامًا متزايدًا عن العملة الأمريكية، في وقت تهيئ فيه الصين نفسها لتكون «البديل الجاهز» الذي يتحين الفرصة عندما تهتز الثقة بالورقة الخضراء ويبحث العالم عن «خليفة موثوق».

الكلمات الدلالية: # يوان # دولار # الصين # تدويل اليوان # هيمنة الدولار # اقتصاد عالمي