إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

عيد الحب: بين الرومانسية القديمة والاستهلاك الحديث.. رحلة عبر التاريخ والثقافات

عيد الحب: بين الرومانسية القديمة والاستهلاك الحديث.. رحلة عبر التاريخ والثقافات
Saudi 365
منذ 6 ساعة
2

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

رحلة عيد الحب: من قسيس روماني إلى ظاهرة عالمية

تتزين الواجهات باللون الأحمر وتنتعش محلات الزهور والهدايا مع حلول منتصف فبراير من كل عام، معلنةً قدوم مناسبة ترتبط بالدفء والرومانسية. لكن هذا المشهد الاحتفالي لا يمرّ دون جدل، حيث تتأرجح النظرة إلى "عيد الحب" بين اعتباره مناسبة إنسانية للتعبير عن أسمى المشاعر، وبين اعتباره تقليدًا مستوردًا تحوّل إلى موسم استهلاكي واسع النطاق. فكيف تطورت هذه المناسبة لتصبح يوم احتفال عالميًا؟ وما هي العوامل التي ساهمت في بقائها حية عبر الثقافات وتعاقب الأزمان؟ وكيف انتقلت من جذورها الرومانية القديمة إلى ظاهرة اجتماعية وتجارية مؤثرة؟

يرتبط اسم عيد الحب بعدة شخصيات مسيحية حملت اسم "فالنتاين". إلا أن الرواية الأكثر انتشارًا تنسب المناسبة إلى قسيس روماني عاش خلال فترة الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي. تقول إحدى الأساطير إن الإمبراطور كلوديوس الثاني، سعياً لتوسيع نفوذ دولته، حظر زواج الجنود لاعتقاده بأن الارتباطات العائلية تضعف جاهزيتهم العسكرية. لكن فالنتاين، بحسب الروايات، خالف القرار وعقد زيجات سرية، متحديًا السلطة مباشرة. وتشير روايات أخرى إلى أن إعدامه ارتبط بحظر ممارسة الشعائر المسيحية آنذاك، حيث كانت بعض الطقوس تُعد مخالفة للقوانين. أُلقي القبض عليه وأُعدم في النهاية عام 269 ميلادية.

تتداخل الأساطير حول قصة فالنتاين، حيث تروي إحدى القصص الشعبية أنه سُجن بسبب مساعدته لمسيحيين مضطهدين. وخلال فترة حبسه، تعرّف إلى شابة، يُقال إنها ابنة السجان، ونشأت بينهما علاقة. وقبل إعدامه في 14 فبراير، يُقال إنه ترك لها رسالة موقّعة بعبارة "من فالنتينك"، وهي العبارة التي أصبحت لاحقًا رمزًا لتبادل بطاقات الحب.

التطور التاريخي والاجتماعي لعيد الحب

مع مرور الوقت، ثُبّت يوم 14 فبراير عيدًا للقديس فالنتاين منذ أواخر القرن الخامس الميلادي. وقد حُفظت رفاته في عدة كنائس، منها كنيسة سان فالنتينو في روما. ومع تعاقب القرون، تحول عيد الحب إلى تقليد اجتماعي واسع الانتشار في دول عديدة، مع تباين طرق الاحتفاء به وفقًا للثقافات والسياقات المحلية.

تُظهر استطلاعات الرأي انقسامًا واضحًا في رؤى الشباب حول رمزية هذا اليوم. يرى فريق منهم أنهم "لا يحتاجون إلى يوم محدد في التقويم للاحتفاء بمشاعرهم"، مؤكدين أن الحب حالة شعورية تُعاش يوميًا ولا يمكن حصرها في تاريخ واحد. في المقابل، يدافع آخرون عن قدسية هذا الموعد السنوي، معتبرين أنه يمثل محطة ضرورية للتوقف وسط تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، وفرصة لإحياء الروابط والتعبير عن المشاعر التي قد تخنقها الرتابة.

عيد الحب بين الاستهلاك والقيم الثقافية

يثير الاحتفال بعيد الحب في دول تعاني نقصًا في الضروريات الأساسية تساؤلات أخلاقية واجتماعية حادة. يرى المعارضون أن اقتناء الهدايا والزهور بأسعار باهظة وسط الفقر هو نوع من "الاستفزاز الطبقي". بينما يجادل المؤيدون بأن الشعوب المنهكة هي الأكثر حاجة لمثل هذه المناسبات باعتبارها "مقاومة نفسية" وهروبًا مؤقتًا من بؤس الواقع.

تنظر المجتمعات ذات الصبغة الدينية غالبًا إلى هذه المناسبة بعين الريبة، معتبرة إياها "منتجًا ثقافيًا غربيًا" لا يتناسب مع تقاليدها. ويرى المدافعون عن الهوية المحلية في انتشار اللون الأحمر وبيع الهدايا الرومانسية "غزوًا ناعمًا" يهدف إلى طمس الخصوصية المحلية. في المقابل، يرى أنصار العولمة أن الحب قيمة عابرة للحدود، وأن رفض اليوم بحجة أصله الغربي هو انغلاق لا يتماشى مع العصر.

بالنسبة للشباب، يمثل الاحتفال وسيلة للتواصل والتعبير عن المشاعر بغض النظر عن الجذور التاريخية للعيد. ويمكن تفسيره أيضًا كنوع من المقاومة النفسية الجماعية، إذ تمنح الرموز البسيطة مثل الزهور والبطاقات الحمراء شعورًا بالاستقرار المؤقت والأمل بغد أفضل. وهكذا، لا يقتصر عيد الحب على كونه مناسبة استهلاكية، بل يمكن اعتباره مساحة للتعبير عن الرغبة الإنسانية في الحب والتواصل والكرامة.

جيل زد وتطور مفهوم الاحتفال

تكشف بيانات حديثة أن جيل زد يتعامل مع عيد الحب باعتباره مناسبة اجتماعية أوسع، لا تقتصر على العلاقات الرومانسية التقليدية، بل تمتد لتشمل الصداقات وروابط القربى وحتى الاحتفال بالنفس. يعكس هذا التحول تغيرًا ثقافيًا في نظرة الجيل الأصغر إلى المناسبات، حيث لم يعد اليوم مرتبطًا حصريًا بفكرة "الثنائي"، بل أصبح مساحة للتعبير عن أشكال متعددة من العلاقات. يفضل كثيرون من جيل زد قضاء عيد الحب ضمن تجمعات أو مع الأصدقاء بدلًا من المواعيد الرومانسية الكلاسيكية، وأصبح تناول الطعام، سواء ضمن مجموعة أو بشكل فردي، أكثر قبولًا لدى هذا الجيل.

عيد الحب كمنصة تسويقية واقتصادية

تغيّر مسار عيد الحب تدريجيًا مع تطور وسائل الاتصال وانتشار الطباعة. فمع ظهور البطاقات وطوابع البريد، أصبح بإمكان العشاق التعبير عن مشاعرهم بطريقة ملموسة يمكن تداولها، ما أسّس لأحد أوائل أشكال "تسويق العاطفة". ومع صعود الاقتصاد الاستهلاكي الحديث، تحولت المناسبة تدريجيًا من فعل رمزي بسيط إلى موسم اقتصادي متكامل.

رأت الشركات في عيد الحب فرصة لترويج الهدايا والبطاقات والعشاء الفاخر والزهور والشوكولاتة، معتبرة أن هذه العناصر وسائل "ضرورية" للتعبير عن المشاعر. ولم يكن هذا الربط عفويًا، بل جاء نتيجة استراتيجيات تسويق مدروسة، تبني قيمة عاطفية حول المنتج، مما يخلق ضغطًا اجتماعيًا واقتصاديًا على المستهلكين. توسعت دائرة الاستهلاك لتشمل قطاعات متعددة، من المطاعم إلى متاجر المجوهرات وشركات الشوكولاتة والأزياء، وحتى قطاع السفر. لتصبح هذه الفترة جزءًا من دورة اقتصادية موسمية ترتفع فيها المبيعات بشكل ملحوظ.

الكلمات الدلالية: # عيد الحب # الفالنتاين # تاريخ عيد الحب # أصول عيد الحب # تقاليد عيد الحب # عيد الحب والاستهلاك # عيد الحب والشباب # جيل زد # تسويق عيد الحب # الرومانسية # العلاقات الإنسانية