مصر - وكالة أنباء إخباري
يواجه ملايين المستخدمين في مصر كابوساً متكرراً يتمثل في استنفاذ باقات الإنترنت المحدودة قبل نهاية الشهر، مما يحول العالم الرقمي إلى ممر بطيء وغير فعال. هذه المعاناة، التي تتجدد سنوياً عبر حملات مثل #انترنت_غير_محدود_في_مصر، تثير تساؤلات جدية حول مستقبل الاتصالات في بلد يسعى للتحول الرقمي.
بدأت أزمة الكوتة في الترسخ عام 2007، عندما قدمت شركات الاتصالات "سياسة الاستخدام العادل" (FUP) كنموذج تجاري لإدارة الموارد، بعد أن كانت مصر تتمتع بإنترنت غير محدود في بدايات الألفية (2004-2006) بسرعات منخفضة لكن مفتوحة. ورغم تحديث السرعات بمرور الوقت إلى VDSL ثم الألياف الضوئية، ظلت الكوتة إما ثابتة أو تزيد بنسب لا تتناسب مع الحجم الهائل للمحتوى الرقمي الحديث، لتصبح سقفاً لا يمكن اختراقه إلا بدفع المزيد من الأموال.
اقرأ أيضاً
- الخميس ٢٧ أغسطس إجازة رسمية بمناسبة المولد النبوي الشريف بدلاً من الثلاثاء ٢٥ من الشهر الجاري
- الرئيس عبد الفتاح السيسى يستعرض ملفات وزارة العدل
- الرئيس السيسى يستقبل كوشنر بالعلمين
- إيقاف جمع البلازما في كندا: تحقيق حكومي ووفيات متبرعين يثيران القلق
- محكمة أونتاريو العليا تسمح بإزالة مسارات الدراجات في تورونتو
لطالما كانت المبررات الرسمية تدور حول "الأسلاك النحاسية المتهالكة" و"مرحلة الإحلال والتجديد". ومع ذلك، تكشف البيانات وتصريحات برلمانية أن شركات الاتصالات تبيع باقات بسرعات عالية (30-70 ميجابت) لبنية تحتية لا تستوعب سوى 5 ميجابت، مما يثير الشكوك حول مدى حقيقة هذه المزاعم. وتوصف الانقطاعات المتكررة بـ "تحديث الأنظمة"، ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه التحديثات وهل هي لتحسين السعة أم لزيادة دقة مراقبة الاستهلاك.
في الحقيقة، يشير التحليل المالي إلى أن الإنترنت المحدود هو النموذج الأكثر ربحية لشركات الاتصالات. فقد حققت المصرية للاتصالات صافي ربح بلغ 17 مليار جنيه في 9 أشهر فقط عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيسي بقطاع البيانات. هذا النمو المالي يعكس الإصرار على التمسك بنظام الكوتة.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن الانتقال إلى الإنترنت غير المحدود قد لا يكون عقبة تقنية معقدة بقدر ما هو قرار إداري. فالأجهزة في السنترالات (MSANs) مبرمجة برمجياً لتخفيض السرعة، ويمكن إلغاء هذا الشرط بـ "ضغطة زر". كما أن تبني بروتوكول IPv6، المتأخر في مصر، يمكن أن يخفف الضغط على الشبكة. وتبرز مخاوف من انهيار الشبكة نتيجة ضغط مفاجئ حال فتح السرعات، بالإضافة إلى البعد الأمني والرقابي الذي يسهل التحكم في تدفق المعلومات.
مع تزايد اعتماد الدولة على التحول الرقمي، والتعليم عن بُعد، والخدمات الحكومية الرقمية، أصبح الإنترنت المحدود عائقاً أمام التنمية، وليس مجرد مشكلة ترفيهية. فلا يمكن لدولة تطمح لتصدير الخدمات التكنولوجية أن تطلب من مستثمريها أو مبرمجيها مراقبة استهلاكهم بقلق. وإلى أن يتم اتخاذ قرار جريء، سيبقى المصريون يطاردون شبح الجيجات المتبقية، ويبقى السؤال معلقاً: متى تخرج مصر من عنق الزجاجة الرقمي؟