إخباري
الخميس ٥ فبراير ٢٠٢٦ | الخميس، ١٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

السيادة الرقمية: ضرورة استراتيجية لأوروبا من أجل مستقبل تكنولوجي يخدم الإنسان

مارتن هولين من مؤسسة بيرتلسمان يسلط الضوء على الإكراه التكنو

السيادة الرقمية: ضرورة استراتيجية لأوروبا من أجل مستقبل تكنولوجي يخدم الإنسان
Matrix Bot
منذ 8 ساعة
37

أوروبا - وكالة أنباء إخباري

السيادة الرقمية: ضرورة استراتيجية لأوروبا من أجل مستقبل تكنولوجي يخدم الإنسان

تصاعد مفهوم السيادة الرقمية بسرعة ليحتل صدارة الخطاب الجيوسياسي والاقتصادي، خاصة داخل أوروبا. فبينما تتصارع الدول مع التأثير الواسع لعمالقة التكنولوجيا وتداعيات أصولهم الوطنية، تتعالى الدعوات للمزيد من الاستقلالية في المجال الرقمي. وقد عبر مارتن هولين، مدير شبكة المرونة والسيادة التكنولوجية في مؤسسة بيرتلسمان، مؤخرًا عن هذا الشعور خلال مقابلة مع شارون غافني من قناة فرانس 24، واصفًا الإكراه السياسي الأمريكي عبر شركات التكنولوجيا الكبرى ليس مجرد تحدٍ، بل فرصة عميقة لأوروبا لشق طريق جديد.

تؤكد تصريحات هولين نقطة تحول حاسمة للاتحاد الأوروبي. فمنذ سنوات، أصبحت الصناعات والمواطنون الأوروبيون يعتمدون بشكل متزايد على البنية التحتية والخدمات الرقمية التي تقدمها في الغالب شركات تكنولوجيا غير أوروبية، وخاصة الأمريكية. وفي حين أن هذه المنصات قد حفزت الابتكار والاتصال بلا شك، إلا أنها تمثل أيضًا نقاط ضعف استراتيجية كبيرة. يثير تركيز القوة في عدد قليل من عمالقة التكنولوجيا العالمية تساؤلات حول حوكمة البيانات، والأمن السيبراني، والعدالة الاقتصادية، وإمكانية أن تعمل هذه الشركات كامتداد لأهداف السياسة الخارجية لحكوماتها الأصلية.

يتجلى "الإكراه" الذي يشير إليه هولين بأشكال مختلفة. يمكن أن يشمل الضغط على الشركات للامتثال للقوانين خارج الحدود الإقليمية، مثل قانون السحابة الأمريكي (CLOUD Act)، الذي يمكن أن يجبر مزودي التكنولوجيا الأمريكيين على تسليم البيانات المخزنة في أي مكان في العالم، بغض النظر عن قوانين الخصوصية المحلية. يخلق هذا معضلة قانونية وأخلاقية للكيانات الأوروبية ويقوض الثقة في خدمات السحابة. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي الهيمنة السوقية المطلقة لهذه الشركات إلى خنق الابتكار المحلي، وخلق تبعية للموردين، وفرض شروط مشاركة قد لا تتماشى مع القيم الأوروبية أو طموحاتها التنظيمية. إن النفوذ الاقتصادي الذي تمارسه هذه الشركات، جنبًا إلى جنب مع روابطها المعقدة بالمصالح الأمنية الوطنية، يحول العلاقات التجارية إلى أدوات جيوسياسية.

بالنسبة لأوروبا، هذا الوضع لا يتعلق فقط بحماية البيانات أو تعزيز الشركات المحلية؛ بل يتعلق بحماية العمليات الديمقراطية، وضمان القدرة التنافسية الاقتصادية، وتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية في عالم رقمي متزايد. لقد اتخذ الاتحاد الأوروبي بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه، أبرزها اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي وضعت معيارًا عالميًا لخصوصية البيانات، ومؤخرًا قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA)، الهادفين إلى الحد من قوة عمالقة التكنولوجيا وتعزيز أنظمة بيئية رقمية أكثر عدلاً. تعكس هذه الجهود التشريعية رغبة عميقة في استعادة السيطرة على الفضاء الرقمي وضمان احترام الحقوق الأساسية عبر الإنترنت.

ومع ذلك، كما يشير هولين، التشريع وحده لا يكفي. تكمن الفرصة في استراتيجية أكثر شمولاً واستباقية. يقول: "يجب على أوروبا ألا تنظر فقط في تمويل البدائل بل في وضع استراتيجيات لكيفية جعل التكنولوجيا تخدم المجتمعات وليس العكس". يتطلب هذا نهجًا متعدد الأوجه. أولاً، يستلزم استثمارًا كبيرًا في القدرات التكنولوجية الأوروبية الأصلية. وهذا يعني تعزيز نظام بيئي نابض بالحياة من الشركات الناشئة والمتنامية في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والأمن السيبراني، والبنية التحتية السحابية السيادية. يجب تبسيط وتضخيم آليات التمويل العام والخاص لتقليل الاعتماد على رأس المال الخارجي الذي قد يأتي مع قيود جيوسياسية.

ثانيًا، وربما الأهم، يتطلب ذلك إعادة تفكير جوهرية في الغرض من التكنولوجيا. فبدلاً من أن تملي التكنولوجيا المعايير المجتمعية أو تُستخدم في المقام الأول للاستغلال التجاري والمراقبة، تهدف أوروبا إلى وضعها كأداة لتحسين المجتمع. تشمل هذه الرؤية تطوير الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، ومبادئ التصميم التي تركز على الإنسان، وأطر حوكمة البيانات القوية التي تمكّن الأفراد، وتعزيز حلول المصادر المفتوحة لضمان الشفافية ومنع تبعية الموردين. يتعلق الأمر بتصميم أنظمة رقمية تعزز القيم الديمقراطية، وتعزز الشمولية، وتعالج التحديات المجتمعية الملحة من تغير المناخ إلى الرعاية الصحية.

إن السعي وراء السيادة الرقمية ليس مسعى انعزاليًا. بل يضع أوروبا كقائد محتمل في تحديد نموذج أكثر مسؤولية وأخلاقية للحوكمة الرقمية على مستوى العالم. فمن خلال إثبات أن الازدهار الاقتصادي والتقدم التكنولوجي يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب مع حماية قوية للخصوصية، والمنافسة العادلة، والرقابة الديمقراطية، يمكن لأوروبا أن تقدم بديلاً للنماذج السائدة للرأسمالية الرقمية ومراقبة الدولة. سيتيح هذا الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا التعامل مع الشركاء العالميين من موقع قوة، والدعوة إلى معايير دولية تعطي الأولوية لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة في المجال الرقمي.

في الختام، تعد ملاحظة مارتن هولين بمثابة دعوة قوية للعمل. فالتحديات التي يفرضها الإكراه السياسي الأمريكي عبر شركات التكنولوجيا الكبرى لا يمكن إنكارها، لكنها تسلط الضوء أيضًا على لحظة فريدة لأوروبا لتسريع رحلتها نحو السيادة الرقمية الحقيقية. هذه الرحلة لا تتعلق بالاستقلال التكنولوجي فحسب، بل تتعلق بتشكيل مستقبل يتم فيه تصميم التكنولوجيا ونشرها بوعي لخدمة الصالح العام، مما يضمن أن العصر الرقمي يعزز الازدهار البشري والمبادئ الديمقراطية بدلاً من أن يقلل منها.

الكلمات الدلالية: # السيادة الرقمية، أوروبا، التكنولوجيا، الإكراه الأمريكي، الشركات الكبرى، مارتن هولين، مؤسسة بيرتلسمان، الاستقلالية الاستراتيجية، حوكمة البيانات، الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، الابتكار، اللائحة العامة لحماية البيانات، قانون الأسواق الرقمية، قانون الخدمات الرقمية