إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

ترامب يلقي بظلاله: تحالفات الغرب على المحك في مؤتمر ميونيخ للأمن

ترامب يلقي بظلاله: تحالفات الغرب على المحك في مؤتمر ميونيخ للأمن
Saudi 365
منذ 21 ساعة
9

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

تستضيف مدينة ميونيخ الألمانية، عاصمة ولاية بافاريا، الجمعة، فعاليات مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن، وهو أحد أهم المنتديات العالمية التي تُعنى بمناقشة التحديات الأمنية والجيوسياسية الراهنة. غير أن الأجواء التي تسبق افتتاح المؤتمر هذا العام تبدو مشحونة بشكل لافت، حيث تلقي السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، بظلالها الكثيفة على طبيعة النقاشات والمخرجات المتوقعة. يُنظر إلى التهديد الذي يمثله نهج "أمريكا أولاً" للتحالفات والأعراف الدولية الراسخة منذ عقود كقضية محورية، قد تعيد تشكيل المشهد الأمني العالمي وتضع الشراكات التاريخية على المحك.

مؤتمر ميونيخ: مرآة للتحولات الجيوسياسية

لطالما كان مؤتمر ميونيخ للأمن بمثابة منصة حيوية للحوار عبر الأطلسي، حيث يلتقي قادة العالم وكبار الدبلوماسيين وخبراء الأمن لمواجهة التحديات المشتركة وبناء التوافقات. إلا أن الدورة الحالية تأتي في وقت يشهد فيه النظام الدولي حالة من التصدع غير المسبوق، مدفوعة بسياسات واشنطن التي تتسم بالتقلب والتركيز على المصالح الوطنية الضيقة على حساب الالتزامات متعددة الأطراف. فبعد سنوات من التشكيك في جدوى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات دولية كبرى مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، وتصاعد الحمائية التجارية، باتت الدول الأوروبية وحلفاء واشنطن التقليديون يواجهون معضلة استراتيجية كبرى.

تحدي "أمريكا أولاً" للتحالفات

إن جوهر التحدي يكمن في ابتعاد الإدارة الأمريكية عن مبادئ التعاون متعدد الأطراف التي قامت عليها المؤسسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. ففي خطاب "أمريكا أولاً"، يرى الرئيس ترامب أن الالتزامات الدولية تمثل أعباءً أكثر منها أصولاً، وأن الحلفاء يستفيدون من الحماية الأمريكية دون تقديم ما يكفي من المساهمات. هذا الخطاب، الذي يتجلى في المطالب المتكررة بزيادة الإنفاق الدفاعي من قبل دول الناتو، وتهديدات بفرض رسوم جمركية، وحتى التشكيك في المادة الخامسة من ميثاق الناتو التي تنص على الدفاع المشترك، قد أحدث شرخاً عميقاً في الثقة عبر الأطلسي. إنها ليست مجرد خلافات تكتيكية، بل هي إعادة تعريف جوهرية للعلاقات الدولية، مما يثير تساؤلات حقيقية حول استمرارية وقوة التحالفات القائمة.

مساعي أوروبا نحو الاستقلالية الاستراتيجية

في مواجهة هذه السياسات، تسعى الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، إلى تعزيز "الاستقلالية الاستراتيجية" للقارة. لم يعد الأمر مجرد حديث عن تقاسم الأعباء، بل أصبح ضرورة ملحة لمواجهة عالم متعدد الأقطاب دون الاعتماد الكلي على مظلة الحماية الأمريكية التي باتت تبدو متذبذبة. من المتوقع أن يشهد مؤتمر ميونيخ نقاشات مكثفة حول سبل تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة، وتوحيد المواقف تجاه قضايا الأمن الإقليمي والدولي، مثل العلاقة مع روسيا والصين، والتعامل مع التحديات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذه المساعي، وإن كانت لا تعني الانفصال التام عن الولايات المتحدة، إلا أنها تشير إلى تحول منهجي نحو بناء قدرة أوروبا على تحديد مصيرها الأمني والدفاعي.

أجندة المؤتمر: توازنات دقيقة وتحديات عالمية

بالإضافة إلى العلاقة عبر الأطلسي، ستتناول أجندة المؤتمر مجموعة واسعة من التحديات الأمنية العالمية. سيتم التركيز على التهديدات السيبرانية المتزايدة، وسباق التسلح الجديد، وتأثير التغيرات المناخية على الاستقرار الدولي، بالإضافة إلى تصاعد التوترات في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي والخليج العربي. كما ستكون قضايا مكافحة الإرهاب وأزمات اللاجئين على رأس الأولويات. ومع ذلك، فإن قدرة المجتمع الدولي على التوصل إلى حلول فعالة لهذه القضايا تتوقف بشكل كبير على مدى التوافق والوحدة بين القوى الكبرى، وهو ما يبدو غائباً بشكل ملحوظ في ظل الخلافات المحتدمة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين.

توقعات ومآلات

من المرجح أن يشهد المؤتمر تبادلاً حاداً لوجهات النظر، وقد تستغله بعض الأطراف لتأكيد مواقفها أو لتسليط الضوء على نقاط التباين. ورغم أن المؤتمر ليس مكاناً لاتخاذ قرارات ملزمة، إلا أنه يشكل بارومتراً مهماً للحالة الراهنة للأمن العالمي والتحالفات الدولية. فالتهديدات التي تفرضها سياسات ترامب لا تقتصر على العلاقات الثنائية، بل تمتد لتطال مفهوم الأمن الجماعي ذاته. إن نجاح المؤتمر في تجاوز هذه التحديات، أو حتى مجرد تحديد مسارات للتعامل معها، سيكون مؤشراً حاسماً على قدرة النظام الدولي على الصمود في وجه رياح التغيير العاتية.

تتجه الأنظار إلى ميونيخ، ليس فقط لمتابعة الخطابات والبيانات، ولكن لتقييم مدى مرونة التحالفات الغربية وقدرتها على التكيف مع عصر جديد تتضاءل فيه اليقينيات التقليدية وتتصاعد فيه الحاجة إلى قيادة مستقرة ورؤية مشتركة لمستقبل الأمن العالمي.

الكلمات الدلالية: # مؤتمر ميونيخ للأمن # ترامب # التحالفات # أوروبا # الناتو # الأمن الدولي # السياسة الخارجية الأمريكية # بافاريا