إخباري
الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ | الثلاثاء، ٧ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

تصاعد التوتر عبر الأطلسي: أوروبا تفقد الثقة بواشنطن ومستقبل العلاقات يلوح بالضبابية

تصاعد التوتر عبر الأطلسي: أوروبا تفقد الثقة بواشنطن ومستقبل العلاقات يلوح بالضبابية
Saudi 365
منذ 1 أسبوع
20

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

شهدت الساحة الدولية، وتحديداً في أروقة مؤتمر ميونيخ للأمن، تأكيداً حاسماً على التوترات المتزايدة والمستمرة في العلاقات عبر الأطلسي. ففي تطور يثير تساؤلات جدية حول مستقبل التحالفات التقليدية، صرح فولفغانغ إيشينغر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، بأن دول أوروبا قد فقدت ثقتها في الولايات المتحدة، وأن عملية استعادتها ستكون محفوفة بالصعوبات.

فقدان الثقة: حقيقة مؤلمة لا يمكن تجاهلها

في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، أكد إيشينغر على حقيقة "فقدان الثقة بشكل خطير، لا شك في ذلك". ورغم إقراره بإمكانية استعادة الثقة، إلا أنه شدد على أن فقدانها أسهل بكثير من استعادتها. هذه التصريحات لا تأتي من فراغ، بل تعكس إحساساً متنامياً لدى الأوساط الدبلوماسية والسياسية الأوروبية بأن طبيعة العلاقة مع واشنطن قد تغيرت بشكل جوهري.

ولم يكن إيشينغر الوحيد الذي يعبر عن هذا القلق، فقد أشار الممثل الدائم السابق للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إيفو دالدر، إلى أن أوروبا لا تستطيع الوثوق بواشنطن حالياً، ولن تكون قادرة على ذلك ما لم تتخذ الولايات المتحدة إجراءات ملموسة لاستعادة هذه الثقة. وذهب دالدر أبعد من ذلك بالقول: "من المحتمل ألا تثق بنا أوروبا مرة أخرى أبداً. إن طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه".

تحولات ما بعد ترامب: جذور الأزمة واستشراف المستقبل

على الرغم من مغادرة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب منصبه، فإن الإرث الذي خلفه من سياسات "أمريكا أولاً"، والتشكيك في التحالفات الدولية، قد ألقى بظلاله الثقيلة على المشهد. دبلوماسيون وقادة دول أوروبية باتوا يعلنون صراحة أنهم لم يعودوا يتوقعون عودة العلاقات مع واشنطن إلى حالتها ما قبل ترامب. هذا التحول ليس مجرد تكتيكي، بل يمثل تغيرًا استراتيجياً في النظرة الأوروبية لدور الولايات المتحدة كشريك يمكن الاعتماد عليه بلا قيد أو شرط.

ويعرب إيشينغر عن أمله في أن يسهم مؤتمر ميونيخ في تحقيق هدفين أساسيين: أولاً، استعادة جزء من العلاقات عبر الأطلسي، وثانياً، حث أوروبا على اتخاذ خطوات ملموسة لتقليل اعتمادها على واشنطن. هذا الطموح الأخير يعكس توجهاً أوروبياً نحو بناء استقلال استراتيجي أكبر، لا سيما في مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد، لضمان قدرتها على مواجهة التحديات العالمية بمعزل عن أي تقلبات في السياسة الخارجية الأمريكية.

المشهد الجيوسياسي المتغير: أوكرانيا كبؤرة توتر

تتزامن هذه التوترات عبر الأطلسي مع استمرار الصراع في أوكرانيا، الذي يشكل بؤرة توتر رئيسية على الساحة الجيوسياسية. فبينما تتعهد الولايات المتحدة بتقديم أسلحة بقيمة تتجاوز 15 مليار دولار لأوكرانيا، وتبرم دول أوروبية مثل فرنسا والنرويج اتفاقيات لتزويد كييف بقنابل موجهة ووسائل مراقبة، فإن هذا الدعم يتوازى مع تحليلات روسية تشير إلى حملات تضليلية من نظام كييف وتصعيد عسكري. المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أعلن عن جولة جديدة من المفاوضات بشأن أوكرانيا، في دلالة على استمرار الجهود الدبلوماسية إلى جانب التصعيد العسكري.

في هذا السياق المعقد، تزداد الحاجة الأوروبية إلى تحديد مسارها الخاص، ليس فقط للتعامل مع التحديات الشرقية، بل وأيضاً لتثبيت مكانتها كقوة فاعلة ومستقلة على المسرح العالمي. خطابات قادة مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمرات ميونيخ السابقة، والتي أُعيدت كتابتها على متن الطائرة لتوصيل رسالة قوية، لا تزال تتردد أصداؤها وتُشكل جزءاً من الخلفية التي تدفع أوروبا نحو إعادة تقييم تحالفاتها واعتمادها الاستراتيجي.

الاستنتاج: نحو نظام عالمي أكثر تعددية

إن فقدان الثقة الأوروبية بواشنطن ليس مجرد حادث عابر، بل هو مؤشر على تحول أعمق في النظام العالمي. هذا التحول يدفع أوروبا نحو البحث عن استقلالية أكبر، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، والاضطلاع بدور قيادي أكثر فاعلية في الشؤون الدولية. ورغم صعوبة الطريق، فإن الدعوات إلى استعادة العلاقات عبر الأطلسي يجب أن تقترن بإدراك بأن هذه العلاقات لن تعود إلى سابق عهدها، وأن المستقبل يتطلب شراكة تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، بدلاً من التبعية التقليدية.

وهكذا، يظل مؤتمر ميونيخ للأمن بمثابة مرآة تعكس التحديات الجيوسياسية المعقدة، وفي طليعتها التصدعات في التحالفات التاريخية، مما يستدعي إعادة تعريف الأدوار والمسؤوليات في سبيل بناء نظام عالمي أكثر استقراراً وتوازناً.

الكلمات الدلالية: # مؤتمر ميونيخ للأمن # ثقة أوروبا بأمريكا # العلاقات عبر الأطلسي # الولايات المتحدة # أوروبا # حلف الناتو # أوكرانيا # روسيا # فولفغانغ إيشينغر # إيفو دالدر # استراتيجية أوروبية # الاعتماد على واشنطن # دبلوماسية # الأمن العالمي