إخباري
الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٥ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

تناقض الرأسمالية: عندما تبيعنا الشركات التمرد كحل للمشاكل

كيف تحول الإعلانات الحديثة السخط الاجتماعي إلى فرص استهلاكية

تناقض الرأسمالية: عندما تبيعنا الشركات التمرد كحل للمشاكل
7DAYES
منذ 3 ساعة
10

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

تناقض الرأسمالية: عندما تبيعنا الشركات التمرد كحل للمشاكل

في مشهد إعلاني يتطور باستمرار، لم تعد الشركات الكبرى تخشى تبني خطاب يعكس، بل ويتجاوز أحيانًا، انتقادات اليسار الحديث للرأسمالية. هذا التحول ليس مجرد صيحة عابرة، بل هو استراتيجية تسويقية متطورة تعترف ضمنيًا بالاستياء العام المتزايد من النظام الاقتصادي، وتقدم، بشكل ساخر، حلولًا استهلاكية للمشاكل الهيكلية العميقة. إنها محاولة ماكرة لتحويل السخط إلى فرصة تجارية، حيث يُعاد توجيه الغضب الاجتماعي نحو شراء المزيد من المنتجات والخدمات التي يُزعم أنها تخفف من وطأة الحياة المعاصرة.

شهدت حملات إعلانية حديثة، لا سيما خلال فعاليات كبرى مثل السوبر بول، أمثلة صارخة على هذا الاتجاه. فشركة Anthropic، على سبيل المثال، قدمت إعلانًا عن الذكاء الاصطناعي يصور سيناريوهات مستقبلية بائسة، بينما أظهر إعلان أمازون لـ Alexa+ الممثل كريس هيمسوورث وهو يعبر عن مخاوفه من التهديدات المحتملة للذكاء الاصطناعي. حتى شركة الرعاية الصحية Hims & Hers أطلقت إعلانًا بعنوان "الأثرياء يعيشون أطول"، والذي ينتقد ضمنيًا التفاوت الطبقي في الرعاية الصحية، بينما تروج لخدماتها الفاخرة. هذه الإعلانات، التي تبدو وكأنها تناهض الرأسمالية، تأتي في الواقع من قلب الشركات الرأسمالية نفسها، مما يكشف عن مستوى جديد من السخرية في التسويق.

هذا النمط لا يقتصر على الشركات التقنية أو الصحية. فالبنوك مثل PNC تظهر آباءً يبيعون حقوق تسمية أطفالهم لتمويل تربيتهم، وشركات الوساطة المالية مثل Robinhood تعرض شخصيات تنتقد "أصحاب الملايين"، كل ذلك بينما تروج لخدماتها المالية. هذه السرديات، التي تستلهم الخطاب حول رأسمالية المراقبة وحركة وول ستريت، لا تهدف إلى تغيير النظام، بل إلى إقناع المستهلكين بأن الحلول الفردية، المتمثلة في منتجاتهم، هي السبيل الوحيد للتكيف مع واقع اقتصادي قاسٍ. إنها إعادة تأطير بارعة للألم الاجتماعي، حيث لا يُنظر إليه على أنه نتاج نظام طبقي، بل كناتج لاختيار المنتجات الخاطئة.

كما أشار المؤرخ توماس فرانك في كتابه "غزو الروعة"، فقد أتقن المعلنون منذ الستينيات فن تحويل قلقنا من المجتمع إلى دافع لشراء المزيد من الأشياء غير الضرورية. لقد بنوا "آلة حركة ثقافية دائمة" حيث يمكن استغلال الاشمئزاز من "الاضطهادات اليومية للمجتمع الاستهلاكي" لدفع عجلات الاستهلاك المتسارعة باستمرار. هذه الآلة لا تزال تعمل بكفاءة، حيث تعيد صياغة انتقادات الرأسمالية لتصبح مبررات لها. إنها تخبرنا أن الحياة الجيدة لا تتحقق إلا من خلال امتلاك السلع عالية الجودة، من مساعدي الذكاء الاصطناعي إلى البيرة المصنوعة محليًا والمنتجات الخالية من البارابين، في حلقة مفرغة من الاستهلاك الذي لا ينتهي.

يتجلى هذا التناقض بشكل صارخ في كيفية استجابة الشركات للمخاوف المتزايدة بشأن الذكاء الاصطناعي وفقدان الوظائف. على سبيل المثال، بثت شركة كوكا كولا إعلانًا يهدف إلى تهدئة مخاوف العمال الأمريكيين من الذكاء الاصطناعي، فقط لتقوم لاحقًا بأتمتة إعلاناتها باستخدام مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي، مستبدلة الممثلين الذين دفعوا لهم لتهدئة مخاوفنا بالذكاء الاصطناعي نفسه. هذا المستوى من السخرية يكمن في جوهر الإعلانات الحديثة، التي تشخص ببرود الآثار الجانبية المؤلمة للعيش تحت نظام رأسمالي، لتقدم بعد ذلك علاجات وهمية لا معنى لها.

حتى عندما يهدد الغضب الاقتصادي بالانفجار، تكثف الشركات من إنتاجها للتمرد المعبأ مسبقًا. تُقدم لنا غرف الغضب وأماكن رمي الفؤوس كمتنفسات للغضب، بينما تُعرض مسلسلات وأفلام عن الثورات والتمرد على منصات البث. إنها محاولة لتحويل الرغبة في التغيير الجذري إلى نشاط استهلاكي آمن ومربح. ومع ذلك، يمكن رؤية تشققات في هذه الآلة الضخمة. فالسخط المتزايد والحديث عن "حرب الطبقات"، الذي كان يُرفض سابقًا، أصبح الآن جزءًا من الخطاب العام، حتى أن الأثرياء يمولون أعمالًا خيالية تتناول فكرة "أكل الأغنياء".

في جوهرها، تقدم إعلانات اليوم راديكالية مكبوتة، دعوة غريبة للثورة ضد الإهانات التي تفرضها علينا الشركات نفسها. فهل تذكيرات هاينكن بـ"الشرب بمسؤولية" ليست دعوة ضمنية لوسائل النقل العام الفعالة؟ وهل إعلانات E*Trade التي تصور كبار السن كـ"عبيد الأجور" ليست صرخة من أجل شبكة أمان اجتماعي قوية؟ إن شركات مثل Coinbase محقة في أن النظام المالي معطل، لكن ماذا لو تم توجيه طاقتها نحو الخدمات المصرفية العامة بدلاً من العملات المشفرة المضاربة؟ وماذا لو أعطت شركات الاقتصاد التشاركي مثل أوبر السائقين حصتهم من الأرباح بدلاً من إبقائهم كـ"عبيد رقميين"؟ هذه الأسئلة تكشف عن إمكانية تحويل هذا السخط الموجه تجاريًا إلى حركة حقيقية نحو التغيير الهيكلي.

الكلمات الدلالية: # نقد الرأسمالية # إعلانات الشركات # سخرية تسويقية # استهلاك التمرد # غضب اجتماعي # رأسمالية المراقبة # الذكاء الاصطناعي والإعلانات # تسويق الأزمات # حلول استهلاكية