إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

فيديو القليوبية يجدد جدل «الدراما والواقع»: هل تعكس أم تؤثر؟

فيديو القليوبية يجدد جدل «الدراما والواقع»: هل تعكس أم تؤثر؟
Saudi 365
منذ 1 يوم
3

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

شهدت محافظة القليوبية، شمال القاهرة، واقعة أليمة هزّت الشارع المصري ومواقع التواصل الاجتماعي، تمثلت في إجبار شاب على ارتداء زي نسائي مخصص للرقص البلدي وتصويره في أحد الشوارع، في مشهد قاسٍ ومهين. الهدف من هذا الفعل الشنيع، وفقاً للتحقيقات الأولية، كان الانتقام الأسري وإذلال الشاب بعد هروبه مع فتاة، مما أعاد إلى الواجهة قضية حساسة تتعلق بتجسيد المشاهد الدرامية على أرض الواقع، وإلى أي مدى يمكن للدراما أن تؤثر في سلوكيات الأفراد والمجتمعات.

لم تتأخر وزارة الداخلية المصرية في التعامل مع الواقعة، حيث أعلنت عن إلقاء القبض على تسعة أشخاص، بينهم سيدتان، بعد تداول مقطع الفيديو على نطاق واسع. أقر المتهمون خلال التحقيقات بارتكابهم الجريمة، مؤكدين أن دافعهم كان تصفية خلافات عائلية ناتجة عن علاقة عاطفية ربطت المجني عليه، وهو عامل مقيم في المنطقة ذاتها، بكريمة أحد المتهمين. هذه الحادثة، التي اتسمت بالعنف والإذلال العلني، أثارت موجة غضب واسعة ودعوات للتحقيق الشامل وتقديم الجناة للعدالة.

صدى «الأسطورة»: الدراما تحاكي أم تصنع الواقع؟

تكمن المفارقة في أن مشهد الإذلال هذا يحاكي بشكل لافت مشهداً درامياً سبق أن عرض في مسلسل «الأسطورة» عام 2016، بطولة الفنان محمد رمضان وإخراج محمد سامي. في هذا المسلسل، قام البطل بإجبار شخص آخر على ارتداء ملابس نسائية والمشي بها في الشارع كنوع من التجريس والإهانة. هذا التطابق الصادم بين الواقع والدراما فتح مجدداً باب النقاش حول العلاقة التبادلية بينهما: هل تعكس الدراما المصرية الواقع بكل تفاصيله القاسية، أم أنها تسهم في تشكيل هذا الواقع وتؤثر في سلوكياته، خاصة لدى فئات معينة من الجمهور؟

يعلق الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، على هذا الجدل قائلاً إن «الدراما تعكس الواقع وإن كانت تبالغ فيه أحياناً، وقد تؤدي أحياناً لصنعه في محاولة البعض تقليد النجوم والأبطال الشعبيين». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «مشهد واحد يظل عالقاً في أذهان الكثيرين لأكثر من 10 سنوات، ويقررون تكراره، لا يكون إلا بدافع من داخلهم، ونتيجة لخلفيات اجتماعية ومفاهيم مغلوطة شائعة في المجتمع». ويشير عبد الرحمن إلى أن الواقعة تثير تساؤلات أعمق حول انهيار القيم، وغياب الرقابة الأسرية، وعدم الخوف من النظرة المجتمعية للجرم المرتكب، مؤكداً أن الدراما قد تشجع ولكنها ليست الدافع الأساسي لارتكاب مثل هذه الجرائم.

من جانبها، تؤكد أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، أن «الدراما في الفترة الأخيرة لعبت دوراً هادماً للقيم، لأنها تقدم مجرمين وقتلة بوصفهم أبطالاً». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما في كثير من الأحيان تقوم بأدوار «لا أخلاقية»، مشددة على ضرورة وضع حدٍّ لهذا الأمر. وترفض الدكتورة زكريا حجة «حرية الإبداع» عندما يتعلق الأمر بعرض مشاهد إجرامية مهينة أمام ملايين من الجمهور «المتعطش للتقليد»، واصفةً شعار «هذا ما يريده الجمهور» بـ«الكاذب»، ومؤكدة أنه «ما يُراد تصديره للجمهور لخلق ذائقة مشوهة لا تحترم القيم المجتمعية».

مواجهة العنف المجتمعي ودور الدراما الإيجابي

تطرقت الواقعة أيضاً إلى قضية «العنف المجتمعي» و«الدوافع الانتقامية» التي قد تتخذ أشكالاً مبالغاً فيها. يلفت الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين إلى وجود «دوافع انتقامية وحالة من العنف المجتمعي والتشفي بشكل غريب ومبالغ فيه». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن أن تكون الدراما مسؤولة بالكامل عن هذا العنف المجتمعي والسلوكيات الخاطئة، وإن كان ما رأيناه في الواقعة الأخيرة يكرر مشهداً في مسلسل لمحمد رمضان قبل 10 سنوات، فهذا يظهر لنا تأثير الدراما في الواقع، ويجعلنا نتمنى أن تقوم الدراما بشكل إيجابي بمعالجة مثل هذه الوقائع الشائنة بدلاً من الترويج لها».

تجدد هذا الجدل يأتي في ظل مساعٍ سابقة قامت بها الدولة المصرية لمراجعة المحتوى الدرامي. فقبل سنوات، تشكلت لجنة حكومية لمراجعة الأعمال الدرامية بعد رصد تجاوزات كثيرة تتعدى على القيم المجتمعية، وهو ما أشار إليه رئيس الجمهورية في أحد خطاباته، مطالباً صناع الدراما بإبراز القيم الاجتماعية الهادفة بدلاً من التركيز على السلبيات. هذه الدعوات تتجدد اليوم مع كل حادثة تكشف عن هشاشة بعض القيم وسهولة تقليد النماذج السلبية المعروضة إعلامياً.

تظل العلاقة بين الدراما والواقع معقدة ومتشابكة؛ فالدراما قد تكون مرآة للمجتمع، تعكس قضاياه ومشاكله، وقد تكون أداة قوية للتغيير والتوعية. ولكن عندما تتجاوز حدودها لتعرض أنماطاً سلوكية هدامة، أو تقدم المجرمين كأبطال، فإنها تتحول إلى عامل مؤثر سلباً في وجدان المشاهدين، خاصة الشباب. إن الحاجة ماسة إلى خطاب درامي مسؤول يسهم في بناء القيم الإيجابية ويقدم حلولاً للمشكلات المجتمعية، بدلاً من تكريس العنف والإذلال أو تقديمها كحلول للانتقام الشخصي. إن معالجة مثل هذه الظواهر تتطلب جهداً متكاملاً من الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، لتعزيز الوعي بقيم الاحترام والتسامح والقانون.

الكلمات الدلالية: # القليوبية # الدراما المصرية # محمد رمضان # الأسطورة # العنف المجتمعي # الانتقام الأسري # القيم المجتمعية # وزارة الداخلية المصرية # الإعلام وتأثيره # الرقابة الدرامية