伊赫巴里
Saturday, 21 February 2026
Breaking

كشف الستار عن لغز "حجر روما الأبيض": دراسة حديثة تفك شيفرة قطعة أثرية حيرت علماء هولندا

كشف الستار عن لغز "حجر روما الأبيض": دراسة حديثة تفك شيفرة قطعة أثرية حيرت علماء هولندا
Saudi 365
منذ 1 أسبوع
37

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في تطورٍ علميٍّ لافتٍ يضاف إلى سجل الاكتشافات الأثرية الرومانية، كشفت دراسة حديثة النقاب عن حلٍّ للغزٍ أثريٍّ دام لعقود، يتعلق بحجرٍ أملسٍ أبيض اللون يعود تاريخه إلى العصر الروماني، عُثر عليه في الأراضي الهولندية. هذه القطعة الفريدة، التي أربكت علماء الآثار والمؤرخين على حد سواء لسنوات طويلة بسبب طبيعتها الغامضة ووظيفتها غير المحددة، أصبحت الآن تُروي فصلاً جديداً ومثيراً في كتاب الحضارة الرومانية على أطراف إمبراطوريتها الشاسعة.

لطالما شكّل هذا الحجر، بملسه الناعم ولونه الأبيض النقي، محور تكهنات عديدة منذ اكتشافه ضمن حفرياتٍ أثريةٍ في منطقة كانت يوماً ما جزءاً من مقاطعة جرمانيا السفلى (Germania Inferior) الرومانية. لم يكن حجمه أو شكله يوحيان بأي وظيفة عملية واضحة ضمن السياق الروماني التقليدي المعروف، مما جعله "اللغز الأبيض" الذي استعصى فهمه على أجيال من الباحثين. فهل كان قطعةً من لعبة؟ أداةً لغرضٍ غير معروف؟ أم مجرد عنصرٍ زخرفيٍّ فريد؟ هذه التساؤلات كانت تدور في فلك الغموض، بانتظار التقنيات الحديثة التي قد تحمل مفتاح فك شيفرته.

"اللغز الأبيض": عقود من الحيرة الأثرية

إن تاريخ اكتشاف الحجر يعود إلى منتصف القرن الماضي، حين عُثر عليه ضمن بقايا مستوطنة رومانية صغيرة، لكنه لم يلفت الانتباه بشكل كبير في البداية بسبب عدم وجود سياق واضح له. ومع التقدم في علم الآثار، أصبح الباحثون أكثر قدرة على تحليل القطع الأثرية الصغيرة التي قد تبدو غير ذات أهمية للوهلة الأولى. وقد أظهرت الدراسات الأولية للحجر أنه مصنوع من نوع من الرخام أو الحجر الجيري عالي الجودة، مما يشير إلى أنه لم يكن حجراً عادياً من البيئة المحلية، بل ربما تم استيراده أو صناعته بعناية فائقة. هذا الاكتشاف بحد ذاته زاد من تعقيد اللغز؛ فما الذي يجعل الرومان يجلبون حجراً أبيض أملس خصيصاً إلى منطقة حدودية نائية؟

تعددت النظريات حول وظيفة الحجر، فتراوحت بين كونه جزءاً من أداة وزن، أو قطعة ضمن مجموعة ألعاب لوحية كانت شائعة في ذلك العصر، أو ربما حتى تميمة أو رمز ديني. إلا أن أياً من هذه النظريات لم يقدم دليلاً قاطعاً يدعمها، وظل الحجر صامتاً، يحتفظ بسره في المتاحف والمخازن الأثرية، منتظراً فريق البحث الذي يمتلك الأدوات والمناهج اللازمة لفك شفرته التاريخية.

الدراسة الحديثة: منهجية رائدة لكشف الغموض

كانت نقطة التحول مع تبني فريق بحث دولي، يضم متخصصين في علم الآثار القديمة وعلم التحليل المادي، منهجية شاملة ومبتكرة. استخدمت الدراسة تقنيات متطورة مثل المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) لتحليل التركيب السطحي للحجر بدقة متناهية، والتحليل الطيفي بالأشعة السينية (XRF) لتحديد العناصر الكيميائية الموجودة على سطحه وفي مسامه. كما شمل البحث دراسات مقارنة واسعة النطاق مع تحف رومانية أخرى ذات خصائص مماثلة، بالإضافة إلى مراجعة دقيقة للنصوص الرومانية القديمة التي قد تشير إلى استخدامات غير تقليدية للأحجار.

وقد أفضت هذه المنهجية الدقيقة إلى اكتشافات مذهلة. فقد كشفت الفحوصات المجهرية عن وجود أنماط تآكل دقيقة للغاية على سطح الحجر، لا تتناسب مع الاستخدام كقطعة لعبة أو ثقل عادي. الأهم من ذلك، تم تحديد آثار دقيقة لمواد عضوية نباتية معينة، بالإضافة إلى بقايا زيوت طبيعية، متغلغلة في مسام الحجر. هذه البصمات الكيميائية، مجتمعة مع أنماط التآكل، قدمت دلائل قوية على وظيفته الحقيقية.

الحل: أداة علاجية أو طقسية في قلب الحضارة الرومانية

وبعد تحليل معمق للبيانات، استنتج الباحثون أن الحجر الأبيض الأملس لم يكن سوى أداة متخصصة، يُحتمل بقوة أنها كانت تُستخدم لأغراض علاجية أو طقسية. وقد رجّح الفريق البحثي، استناداً إلى طبيعة المواد العضوية المكتشفة، أن الحجر كان يُسخّن أو يُبرّد ثم يُطبق على الجلد كجزء من طقوس علاجية أو تدليك طبي، أو ربما في بعض أنواع العلاج الطبيعي الروماني. هذه الممارسات كانت شائعة في العالم القديم، حيث كانت الأحجار الطبيعية تُستخدم في الحمامات العامة، وفي العلاج بالحرارة أو البرودة، ولتطبيق المراهم والزيوت الطبية.

إن هذا الاكتشاف لا يحل لغز قطعة أثرية فحسب، بل يثري فهمنا للحياة اليومية والرعاية الصحية والمعتقدات الروحية للرومان في مناطقهم الحدودية. فوجود مثل هذه الأداة في هولندا، التي كانت آنذاك على تخوم الإمبراطورية، يشير إلى أن المستوطنين والجنود الرومان كانوا يجلبون معهم ليس فقط قوتهم العسكرية وهندستهم المعمارية، بل أيضاً عاداتهم الصحية والطقسية الدقيقة، ويحافظون عليها حتى في أقصى نقاط انتشارهم.

آفاق جديدة لدراسة الحضارة الرومانية

يفتح حل لغز "الحجر الأبيض" آفاقاً جديدة أمام علماء الآثار لإعادة تقييم قطع أثرية أخرى مجهولة الوظيفة، كانت قد صنفت سابقاً على أنها "لغز" أو "غير محددة الغرض". كما يؤكد على الأهمية المتزايدة لاستخدام التقنيات العلمية الحديثة في التحليل الأثري، والتي تتجاوز مجرد الحفر والتصنيف لتكشف عن قصص خفية ومفصلة عن الماضي.

إن هذا الإنجاز يعزز دور هولندا كبوابة هامة لدراسة الحضارة الرومانية في شمال أوروبا، ويدعو إلى مزيد من البحث والتنقيب لفهم أعمق للتفاعلات الثقافية والاجتماعية على الحدود الرومانية. يبقى الحجر الأبيض الأملس شاهداً صامتاً، لكنه الآن ينطق بلغة العلم ليروي فصلاً مهماً من تاريخ الرومان وعلاقتهم بالطب، أو الطقوس، أو ربما كليهما، في قلب أوروبا القديمة.

الكلمات الدلالية: # حجر روماني، هولندا، اكتشاف أثري، العصر الروماني، جرمانيا السفلى، تحليل علمي، طقوس رومانية، طب روماني، علم الآثار، تحف أثرية، ألغاز أثرية، وكالة أنباء إخباري