إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

فنلندا على طريق العسكرة الشاملة: مخاوف روسية وتحولات جيوسياسية عميقة

فنلندا على طريق العسكرة الشاملة: مخاوف روسية وتحولات جيوسياسية عميقة
Saudi 365
منذ 6 ساعة
4

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

فنلندا تعزز قدراتها العسكرية وتحذيرات روسية متصاعدة

في تحول جيوسياسي لافت يلقي بظلاله على منطقة شمال أوروبا بأكملها، أكد السفير الروسي لدى هلسنكي، بافل كوزنيتسوف، أن فنلندا تواصل تنفيذ برنامج واسع النطاق للعسكرة وتستعد بشكل صريح لحرب محتملة مع روسيا. هذا التصريح، الذي جاء في حديث لوكالة "نوفوستي" الروسية، يسلط الضوء على مستوى غير مسبوق من التوتر بين البلدين الجارين، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من المواجهة في القارة الأوروبية التي تشهد بالفعل اضطرابات جمة. فبعد عقود من الحياد، تتجه هلسنكي نحو مسار تصعيدي يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار الإقليمي.

خطة فنلندا الطموحة لتعزيز الدفاع: ميزانيات ضخمة وتعبئة بشرية

لم يعد التحضير للحرب مجرد تخمين، بل أصبح جوهر السياسة الفنلندية المعلنة، وفقاً للسفير الروسي. وتتجلى هذه التوجهات في حزمة من الإجراءات المتسارعة التي اتخذتها هلسنكي. من أبرزها، انسحاب فنلندا من اتفاقية أوتاوا الدولية لحظر الألغام المضادة للأفراد، وهي خطوة رمزية وعملية تفتح الباب أمام استخدام هذه الألغام في سياق الاستعدادات الدفاعية. وعلى الصعيد المالي، تعتزم الحكومة الفنلندية رفع ميزانيتها الدفاعية إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، مع خطط طموحة للوصول بها إلى 5% بحلول عام 2035. هذه القفزة غير المسبوقة في الإنفاق العسكري تعكس إصراراً على بناء قدرات دفاعية هائلة، مما يضع فنلندا ضمن الدول ذات الإنفاق الدفاعي الأعلى نسبياً في العالم.

علاوة على الإنفاق، تعمل فنلندا على تعزيز قوتها البشرية العسكرية. ففي مطلع العام الجاري، أقرت السلطات الفنلندية قراراً برفع السن القانوني للخدمة الاحتياطية إلى 65 عاماً، بهدف توسيع قاعدة الاحتياطي العسكري البشري ليصل إلى مليون جندي بحلول عام 2031. هذه الخطوة تهدف إلى ضمان جاهزية قتالية عالية لمواجهة أي تهديدات محتملة. كما تقوم هلسنكي بتوسيع برامج التدريب العسكري للمواطنين، وإنشاء ميادين تدريب ومواقع رماية إضافية في مختلف أنحاء البلاد، في إطار خطة شاملة لتعزيز الوعي والجاهزية العسكرية بين السكان. هذه الإجراءات مجتمعة ترسم صورة لدولة تضع الأمن والدفاع على رأس أولوياتها، مع تركيز مكثف على سيناريوهات الصراع المحتملة.

من الحياد إلى الناتو: تحول جيوسياسي يهدد الأمن الروسي

تأتي هذه التحولات الجذرية في أعقاب قرار فنلندا التاريخي بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أبريل 2023، منهية بذلك عقوداً طويلة من الحياد العسكري الذي اتبعته البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد نظرت موسكو إلى هذه الخطوة باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مؤكدة أن توسع الناتو شرقاً على حدودها يمثل خطاً أحمر لن تقبله. هذا الانضمام لم يغير فقط الوضع الأمني لفنلندا، بل أعاد تشكيل الخريطة الجيوسياسية لشمال أوروبا، محولاً بحر البلطيق إلى ما يشبه "بحيرة الناتو"، وهو ما يضاعف من حساسيات موسكو تجاه أي تحركات عسكرية في المنطقة، ويخلق تحديات استراتيجية جديدة لكلا الجانبين.

موسكو تستبعد دور الوساطة الفنلندي وتداعيات اقتصادية داخلية

في رد فعل مباشر على هذا التغير، أكدت وزارة الخارجية الروسية أن فنلندا فقدت صفة "الوسيط النزيه" في الشؤون الدولية عقب انضمامها إلى حلف الناتو، مستبعدة قيام هلسنكي بأي دور وساطة في المستقبل في ظل استمرار نهجها الحالي. هذا التصريح يعكس عمق الخلاف الدبلوماسي بين البلدين ويغلق الباب أمام أي محاولات فنلندية للعب دور محايد في النزاعات الإقليمية أو الدولية، خاصة تلك المتعلقة بروسيا. ويعزز من الرؤية الروسية التي تعتبر فنلندا الآن جزءاً لا يتجزأ من التحالف الغربي المعادي لمصالحها، مما يحد من خيارات الحوار ويصعد من التوتر.

على الصعيد الداخلي، لم تمر هذه التحولات دون نقاشات وتداعيات. فقد أشار أرماندو ميما، عضو حزب "تحالف الحرية" الفنلندي المحافظ، إلى أن العقوبات المفروضة على روسيا ارتدت بشكل سلبي على الاقتصاد الفنلندي، الذي يعاني بشدة نتيجة لذلك. هذا التصريح يبرز التكلفة الاقتصادية الباهظة للتوترات الجيوسياسية على فنلندا. كما واجه الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب انتقادات واسعة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية عقب تصريحاته بشأن العلاقات مع روسيا، حيث دعا البروفيسور في جامعة هلسنكي توماس مالينن علناً، عبر منصة "إكس"، السلطات الفنلندية إلى فتح الحدود مع روسيا لإنقاذ قطاع السياحة الوطني المتضرر، مما يكشف عن وجود أصوات داخل فنلندا تدعو إلى مراجعة بعض جوانب هذه السياسة المتشددة وتقدير التوازن بين الأمن والمصالح الاقتصادية.

مستقبل العلاقات الفنلندية الروسية: فصل جديد من الترقب والحذر

إن التحول الفنلندي من الحياد إلى العسكرة الشاملة والانضمام إلى الناتو يمثل نقطة تحول كبرى في الأمن الأوروبي. فبينما ترى هلسنكي أن هذه الخطوات ضرورية لضمان أمنها القومي في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها القارة، تعتبرها موسكو تصعيداً خطيراً وتحدياً مباشراً لاستقرارها. هذا المسار الجديد يضع فنلندا على خط المواجهة، ويغلق فصلاً طويلاً من العلاقات الجوارية التي كانت تتسم ببعض الاستقرار والتفاهمات، ليفتح فصلاً جديداً من الترقب والحذر، وتداعياته قد تتجاوز حدود البلدين لتؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي، في ظل مشهد جيوسياسي عالمي شديد التعقيد والتقلب.

الكلمات الدلالية: # فنلندا # روسيا # الناتو # العسكرة الفنلندية # الأمن الأوروبي # العلاقات الروسية الفنلندية # السياسة الدفاعية الفنلندية # اتفاقية أوتاوا # ميزانية الدفاع # التوترات الجيوسياسية # حياد فنلندا # بافل كوزنيتسوف