إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: عودة رمزية وتدشين لمرحلة ثقافية جديدة

معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: عودة رمزية وتدشين لمرحلة ثقافية جديدة
Saudi 365
منذ 1 يوم
19

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: عودة رمزية وتدشين لمرحلة ثقافية جديدة

يُعد انعقاد معرض دمشق الدولي للكتاب في شباط/فبراير 2026 بمثابة عودة قوية ومؤشر ثقافي بارز على بدء مرحلة جديدة في سوريا، خاصة وأنها الدورة الاستثنائية الأولى التي تقام بعد التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد في نهاية عام 2024. هذا الحدث، الذي يُعتبر من أقدم التظاهرات الثقافية في المنطقة، تجاوز مجرد كونه فعالية أدبية ليصبح منصة رمزية لإعادة تشكيل المجال العام وتوسيع آفاق التعبير الفكري والثقافي. إنه يمثل نقطة التقاء حيوية بين التراث الثقافي الأصيل وصناعة المحتوى المعرفي الحديث، بما في ذلك التحولات التقنية المتسارعة في مجالات النشر الرقمي، والترجمة، وتداول المعرفة عبر المنصات الإلكترونية.

تأتي الدورة الحالية لمعرض دمشق الدولي للكتاب كحدث استثنائي بامتياز، خاصة بعد سنوات من الانقطاع. وقد تم تقديمه رسميًا كبداية جديدة للحياة الثقافية في سوريا، متماهيًا مع التطورات الرقمية التي تشهدها البلاد، مع تركيز خاص على تعزيز الانفتاح وتنوع الأفكار في الفضاء العام. يرى المسؤولون الثقافيون أن المعرض يعكس بوضوح انتقالًا نحو مساحة ثقافية أكثر انفتاحًا وتعددية، وإعادة التأكيد على دور الكتاب كأداة أساسية لبناء الوعي وتشجيع التفكير النقدي لدى الأجيال.

شهدت مدينة المعارض بريف دمشق، حيث أقيم الحدث، مشاركة واسعة النطاق، شملت ناشرين ومؤسسات ثقافية من 35 دولة، وأكثر من 500 دار نشر. كما تضمنت أجندة المعرض حوالي 650 فعالية متنوعة، ما بين ندوات فكرية، وجلسات نقاشية، وبرامج ثقافية هادفة. وزينت فعاليات المعرض سماء الإبداع بإطلاق أكثر من سبع جوائز ثقافية مرموقة، تتضمن تكريم أفضل الناشرين السوريين والعرب والدوليين، وجائزة خاصة للناشر الشاب الواعد، بالإضافة إلى جوائز مخصصة لأدب الطفل. ولم تغب الفنون عن المشهد، حيث احتضن المعرض فعاليات متخصصة في الخط العربي والفنون التشكيلية، إلى جانب أسواق للكتب وصالونات ثقافية استضافت كبار المفكرين والمبدعين، مما أثرى تجربة الزوار.

تميز المعرض بحضور عربي ودولي لافت، مع بروز خاص لجناحي قطر والمملكة العربية السعودية كضيفتي شرف، وما صاحبهما من برامج ثقافية وتراثية جذبت اهتمامًا كبيرًا. تشير هذه المبادرات إلى توجه استراتيجي نحو الاستثمار في إنتاج المحتوى المعرفي، وليس الاكتفاء بعرضه، مما يعزز مكانة معارض الكتب كنقاط انطلاق حيوية لمشروعات نشر قابلة للتطوير والتوسع رقميًا. وبحسب تقارير رسمية، أصبح المعرض قبلة رئيسية لطلبة الدراسات العليا والباحثين، حيث يساهم في سد الفجوة بين الباحث ومصادر المعرفة المتخصصة، والتي كان الحصول عليها يشكل تحديًا في السابق. وقد أكد العديد من الطلبة أن المعرض يمثل فرصة ذهبية لتجاوز صعوبات تأمين المراجع العلمية والأكاديمية، خاصة الحديثة منها. فقد ذكر طالب الماجستير في الرياضيات، أحمد خلف، أن المعرض وفّر عليه عناء البحث الطويل، مشيرًا إلى توفر مراجع متنوعة بأسعار تنافسية وخدمات متميزة. وبالمثل، أشارت طالبة الصيدلة، براءة بجبج، إلى حل مشكلة ندرة المصادر العلمية الموثوقة، مؤكدة أن المعرض قدم هذه المصادر بأسعار معقولة، وبنسخ ورقية ومترجمة.

على الرغم من أن الكتاب الورقي لا يزال يحتل مركز الصدارة، إلا أن الدورة الحالية شهدت حضورًا متزايدًا للتقنيات المرتبطة بالنشر الحديث. فقد استضاف المعرض شركات متخصصة في الكتب الصوتية والنشر الرقمي، بالإضافة إلى مبادرات مبتكرة لتحويل الشعر العربي إلى محتوى صوتي وأرشفة التراث الأدبي رقميًا. هذا التوجه يعكس فهمًا عميقًا بأن مستقبل القراءة يرتبط بشكل وثيق بالبنية الرقمية، خاصة في ظل تراجع إقبال الشباب على الكتب الورقية لصالح استهلاك المحتوى عبر الإنترنت. من منظور تقني، يمكن تحليل هذه التحولات عبر ثلاث طبقات أساسية: تحويل المحتوى النصي إلى وسائط متعددة، وتطوير منصات تفاعلية، واستخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. هذه المجالات باتت محركات رئيسية لنمو قطاع النشر عالميًا، وتبدو بوادر دخولها المشهد الثقافي المحلي جليّة.

في السياق التقني، لم يعد الكتاب مجرد منتج ثقافي، بل أصبح مصدر بيانات قابلاً للتحليل والمعالجة. فالتحول نحو النشر الرقمي يفتح الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل تحليل سلوك القراء، وتخصيص المحتوى، وإنشاء أدوات بحث متقدمة، وتطوير مساعدين افتراضيين للمؤلفين والقراء. هذه التطبيقات تحول معارض الكتب إلى مساحات تفاعل حيوية بين قطاع الثقافة وشركات التكنولوجيا.

من بين المبادرات البارزة، عرضت دار الرشيد للطباعة والنشر والتوزيع مشروعاتها التفاعلية، مثل "المصحف الشريف الناطق" الذي يجمع بين النص القرآني الورقي وقلم إلكتروني قارئ، مما يتيح تفاعلًا مباشرًا مع النص، والاستماع للتلاوات بأصوات متعددة، والاطلاع على التفسير والترجمات. كما قدمت الدار مشروع "الكتاب الناطق"، الذي يحول الكتاب إلى وسيط يجمع بين القراءة والاستماع والمشاهدة عبر مسح رمز (باركود) بهاتف محمول، لعرض مقاطع فيديو شرح تشرح الأفكار الواردة في النص، بما يدعم التفاعل والتعلم. كما تضمنت جناح الدار 148 عنوانًا تفاعليًا رقميًا تستهدف شرائح عمرية مختلفة.

برز أيضًا اهتمام خاص بكتب الأطفال والتربية، مع توجه لتخصيص مساحات أكبر لثقافة الطفل وتوسيع تنوع العناوين. هذا القطاع تحديدًا يمثل فرصة سانحة للنشر الرقمي، إذ تُعد كتب الأطفال من أكثر المجالات قابلية للتحول إلى تطبيقات تعليمية تفاعلية. وقد شهد جناح وزارة التربية والتعليم إقبالًا كبيرًا بفضل الشاشات التفاعلية التي تجمع بين المعرفة والتعليم والمتعة.

ترافق الحدث مع مؤشرات على تخفيف القيود الرقابية على الكتب، مما يُعد انعكاسًا لتحولات في السياسة الثقافية، مع توفير تسهيلات للناشرين. هذا الانفتاح، إن استمر، قد يشكل عاملًا حاسمًا في جذب استثمارات معرفية ومنصات نشر رقمية، لا سيما وأن البيئة التنظيمية تعد محددًا رئيسيًا لنمو الاقتصاد الإبداعي. ومع وجود هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى التحديات قائمة، أبرزها القدرة الشرائية للقراء وتغير عادات الاستهلاك الثقافي. لذا، قد تكمن القيمة الاستراتيجية للمعرض ليس فقط في عدد المشاركين أو العناوين، بل في قدرته على التحول إلى منصة رقمية متكاملة تشمل التوزيع الرقمي، والوصول العالمي، وإنتاج المحتوى التفاعلي.

في الختام، تعكس دورة 2026 من معرض دمشق الدولي للكتاب لحظة انتقالية لصناعة النشر في بيئة ثقافية تتشكل من جديد. الحدث، بمشاركته الواسعة وزواره بالمئات الآلاف، لا يمثل مجرد عودة تقليدية للكتاب الورقي، بل يؤسس لمرحلة جديدة تستوعب عناصر النشر الرقمي، والصوتي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، كجزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي المستقبلي.

الكلمات الدلالية: # معرض دمشق الدولي للكتاب # سوريا # نشر رقمي # ثقافة # تقنيات # الذكاء الاصطناعي # كتب # قراءة # نشر # دمشق # 2026