الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
من حلم التحرر الرقمي إلى واقع استغلال البيانات: رحلة الإنترنت نحو الاستغلال
قبل ثلاثة عقود، بشر مفكرون من رحم الثقافة المضادة بأن الإنترنت سيكون ملاذاً مستقلاً، مساحة خالية من القيود السياسية والاقتصادية. اليوم، بات هذا الفضاء الرقمي خاضعاً لسيطرة حفنة من الشركات العملاقة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان ذلك الحلم قد تحول إلى وهم، وما الذي حدث بالضبط ليقودنا إلى هذا الواقع.
في عام 2004، طرح عالم الحاسوب الغواتيمالي لويس فون أنه فكرة مبتكرة أطلق عليها اسم "الألعاب الهادفة" (Games With A Purpose - GWAPs). كان هدفه الأسمى هو استغلال القدرات الذهنية البشرية لتدريب أجهزة الكمبيوتر، وهي مهمة كانت تتطلب آنذاك من البشر إنجاز مهام بسيطة لهم، لكنها كانت معقدة للغاية بالنسبة للحواسيب. شملت هذه المهام تصنيف الصور، ونسخ النصوص، وترتيب البيانات. لكن كيف يمكن تحفيز البشر على العمل لصالح الآلات؟ كانت الإجابة تكمن في تحويل هذا العمل إلى لعبة.
اقرأ أيضاً
- مستقبل فيرّان توريس في برشلونة: بين مطرقة الطموح وسندان الواقع الاقتصادي
- رياض محرز يؤكد تفوق الأهلي أمام الهلال رغم الخسارة ويدعو الجماهير لمواصلة الدعم
- ترامب يعلن نيته "تشريف" الاستيلاء على كوبا والتصرف فيها بحرية
- امرأة أمريكية تدين بقتل زوجها بعد كتابة كتاب عن وفاته
- 4 رسائل سياسية من "معركة تلو الأخرى": الفائز الأكبر في حفل توزيع جوائز الأوسكار 2026
بدأ فون أنه بتطوير "لعبة الإدراك الحسي" (Extrasensory Perception Game - ESP). في هذه اللعبة، كان يتم عرض نفس الصورة على لاعبين مقترنين عشوائياً دون أن يتمكنا من التواصل. كان على كل لاعب وصف الصورة خلال فترة زمنية محددة، ويكتسب نقاطاً عندما تتطابق أوصافهما. كانت هذه التطابقات بمثابة آلية للتحقق من دقة الأوصاف، التي كانت تُخزن لاحقاً في قاعدة بيانات. في عام 2006، حصلت جوجل على ترخيص لهذا المفهوم، وطورته ليصبح "Google Image Labeler".
لم يتوقف الابتكار عند هذا الحد. ففي عام 2007، أطلق فون أنه خدمة "reCAPTCHA"، التي اعتمدت على مبدأ مشابه. فمن خلال حل اختبارات CAPTCHA، كان المستخدمون يقومون، دون علم منهم، بنسخ كلمات من كتب وصحف ممسوحة ضوئياً لم تتمكن أجهزة الكمبيوتر من رقمنتها. وفي عام 2009، باع فون أنه خدمة reCAPTCHA لشركة جوجل.
لكن مسيرة فون أنه لم تتوقف عند هذا الحد. ففي عام 2011، أسس بالاشتراك مع سيفيرين هاكر تطبيق "Duolingo". طبق هذا التطبيق نموذج "التعهيد الجماعي" (crowdsourcing) على مجال تعلم اللغات، حيث يقوم المستخدمون بترجمة النصوص وتصنيف الصور مقابل الحصول على دروس مجانية. نتج عن ذلك قاعدة بيانات ضخمة وعالية الجودة للمعلومات اللغوية، تم استغلالها لاحقاً لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ولإجراء اختبارات Duolingo المعتمدة لإتقان اللغة الإنجليزية.
يقول أوليسيس علي ميخاس، أستاذ علوم الاتصال في جامعة نيويورك (SUNY) في أوسويغو، لشبكة DW: "كانت الفكرة هي المساهمة في الصالح العام لمساعدة أجهزة الكمبيوتر على أن تصبح ذكية، وتوزيع الأرباح بالتساوي". ولكنه يضيف: "لكن القصة لم تسر على هذا النحو، أليس كذلك؟ لأن لويس فون أنه جمع كل هذه البيانات المجانية، وباعها لجوجل، ثم استخدم الأرباح لإطلاق مشروعه التالي: Duolingo".
لقد وضع فون أنه الأساس لنموذج استغلال البيانات الذي تتبعه الشركات الكبرى حالياً على الإنترنت، محولاً المستخدمين إلى عمال غير مدفوعي الأجر. يتناقض هذا بشكل صارخ مع رؤية مفكري الثقافة المضادة في شمال كاليفورنيا الذين تصوروا الإنترنت في الستينيات كخيال مستقل، مجتمعي، وطوباوي. في تلك الحقبة، بين حرب فيتنام والحرب الباردة، تبنى ملايين الأمريكيين أسلوب الحياة الجماعي، وتأثروا بالثقافة المخدرة وثقافة الهيبيز. وعندما بدأت الثقافة المضادة في التفكك، حاول بعض روادها تجسيد تلك الأحلام الطوباوية في التكنولوجيا. أسس ستيوارت براند، على سبيل المثال، شبكة "The Whole Earth 'Lectronic Link" (The WELL)، وشاع عبارة "المعلومات تريد أن تكون حرة". أما ستيف جوبز، مؤسس شركة آبل، فقد صرح بأن تجربة تناول عقار LSD كانت من أهم التجارب في حياته.
لكن فريد تيرنر، أستاذ في جامعة ستانفورد ومؤلف كتاب "من الثقافة المضادة إلى الثقافة السيبرانية"، يصف حلم الهروب من السياسة عبر التكنولوجيا الطوباوية بأنه "ساذج بشكل مدهش". ويضيف: "ربما تركوا الولايات المتحدة السياسية وراءهم، لكنهم عند انضمامهم بنوا عالماً أبوياً. وكانوا ساذجين بما يكفي للاعتقاد بأن هذا سيخلق نوعاً من اليوتوبيا لنا. لا يمكنك ترك السياسة خلفك: هذا هو الدرس المستفاد من الثقافة المضادة الذي نراه في إنترنت اليوم".
لم تدم هذه اليوتوبيا طويلاً. سرعان ما أدرك المتحمسون الأوائل للتكنولوجيا كيفية استغلال هذا الوعي الجماعي من خلال تطوير محركات البحث والخوارزميات وجمع البيانات. يقول ميخاس: "نرى هذا في الأيديولوجية المبكرة لفيسبوك. كان القصد هو: 'دعني أجمع كل هذه البيانات دون إذن وأستخدمها لبناء شيء يمكنني تحقيق الربح منه'".
يضيف تيرنر: "لقد انتقلنا من عصر الاتصال إلى عصر الاستخراج". ويشرح قائلاً: "أصبحت الوسائط الرقمية صناعات تعدين. نحن الآن مثل النفط أو الفحم، متجذرون في أرض اجتماعية تستخرج منها الشركات الموارد لبيعها لنا مرة أخرى في شكل منتجات وإعلانات".
في كتابهما "Data Grab: The New Colonialism of Big Tech and How to Fight Back" (الاستيلاء على البيانات: الاستعمار الجديد لشركات التكنولوجيا الكبرى وكيفية المقاومة)، يجادل أوليسيس ميخاس ونيك كودري بأن هناك تشابهاً تاريخياً واحداً فقط يتوافق مع الحجم الحالي لاستخراج البيانات: إنه الاستعمار. يوضح كودري لشبكة DW: "لقد تحول الاستيلاء على الأراضي إلى استيلاء على البيانات؛ يتعلق الأمر بنخبة صغيرة تستولي على كل شيء. وهذا هو بالضبط ما تطور مع بدايات الاستعمار: عقلية تبرر أخذ كل شيء". ويضيف أن الذكاء الاصطناعي هو استمرار لهذا المنطق، "قنبلة السكر" فوق الكعكة.
أخبار ذات صلة
- معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: بوابة سوريّة نحو عصر ثقافي جديد ومستقبل رقمي
- التنزيل: تقنيات مبتكرة لمساعدة الناجيات من السرطان على الإنجاب وتحسين صناعة الملابس في بنغلاديش
- فنلندا على طريق العسكرة الشاملة: مخاوف روسية وتحولات جيوسياسية عميقة
- شاومي تطلق 'Xiaomi 17' و'Ultra' وسط تحديات سوقية غير مسبوقة وارتفاع أسعار الرقائق
- أاليريا تحقق تقييمًا بـ 1.3 مليار دولار بعد جمع تمويل لشبكة الأقمار الصناعية المتشابكة
بعد ثلاثين عاماً من إعلان استقلالها وحريتها، باتت شبكة الإنترنت في قبضة حفنة من الشركات. ومع ذلك، يعتقد ميخاس وكودري أن مقاومة تتشكل، مشيرين إلى الحركات التي تعارض بناء مراكز البيانات، أو عمال الاقتصاد التشاركي الذين يطالبون بتحسين ظروف العمل. ويحملون الأمل في الشباب.
لكن استطلاعات الرأي الحديثة تشير إلى خيبة أمل واسعة النطاق: حوالي نصف الشباب في المملكة المتحدة قالوا إنهم يفضلون لو نشأوا في عالم خالٍ من الإنترنت. وتظهر دراسات أخرى أن ما يقرب من نصف المراهقين الأمريكيين وحوالي ثلثي جيل Z في المملكة المتحدة يعتقدون أن وسائل التواصل الاجتماعي ضارة بهم.
بالنسبة لتيرنر، الطريق إلى الأمام واضح: "يجب أن نوجه انتباهنا إلى السياسة، وليس إلى الآلات. يجب أن نفكر فيما نريد أن تفعله هذه الآلات من أجل الصالح العام. هذا هو ما لم يفعله أصحاب الثقافة المضادة، وهذا ما يجب علينا فعله الآن".