إخباري
الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦ | الخميس، ١١ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

تحديات الأمومة الحديثة: السينما بين المثالية المفرطة والرعب المرضي

تحديات الأمومة الحديثة: السينما بين المثالية المفرطة والرعب المرضي
Ekhbary Editor
منذ 1 يوم
70

مصر - وكالة أنباء الشرق الأوسط

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في تناول السينما لـتحديات الأمومة الحديثة، فبعد عقود من التصوير المثالي والوردي، باتت الشاشات تعرض الأمومة كساحة حرب نفسية ومعارك استنزاف عاطفي ونفسي لا يوازيها إلا الصراعات المسلحة.

تُظهر العديد من الأفلام الحديثة، مثل "لو كانت لدي أرجل لركلتك" و"مت يا حبيبتي" و"ساحرة الليل"، الأمومة في ألوان جهنمية قاتمة. لم تعد مجرد تجربة صعبة، بل تحولت إلى محنة وجودية تنهك الروح وتستنزف العقل، وتلقي بالظلال الكثيفة على كل جانب من جوانب الحياة.

  • تصوير الأمومة كـ"حرب" نفسية وعاطفية لا تنتهي.
  • تقديم الرجل غالباً كشخصية عديمة الجدوى أو ذات ميول سيكوباتية، تفتقر إلى التعاطف أو القدرة على المساعدة.
  • تعرض الأم لضغوط نفسية تصل بها إلى درجة التحولات الغريبة، مثل تحول الأم إلى كلب في أحد الأفلام، إشارة لعمق الصدمة.

لكن هذا التوجه السينمائي الجديد، برغم جرأته الظاهرة، يقع في نفس فخ التضليل الذي وقعت فيه الصور النمطية القديمة. فكما كانت السينما في الماضي تتجنب واقع مخاوف الأم وتحدياتها ويأسها، فإنها اليوم تستبدل المثالية الساذجة بالرعب المرضي، كلاهما بعيد عن الحقيقة.

تحديات الأمومة الحديثة: خطر التحليل النفسي المفرط

يعود هذا التغير في جزء كبير منه إلى "التحليل النفسي المفرط" لتجارب الحياة. ويعني هذا المفهوم تبسيطاً أن كل تجربة، حتى العادية منها، تُعامل على أنها خطر صادم يمكن أن يدمر الكائن البشري. نحن لا نتحدث هنا عن الحالات القصوى، حيث يكون التدمير الجسدي أو النفسي حقيقة واقعة، كما هو الحال في الحروب.

بل نتحدث عن التجارب اليومية البسيطة – مثل الدراسة أو الزواج أو العمل أو إنجاب الأطفال – التي تتحول إلى متاهات خانقة وقاسية. وينطبق الشيء نفسه على المشاعر العادية: الحزن، الخوف، القلق. فبينما يمكن أن تكون في بعض الحالات أعراضاً لمرض نفسي خطير، إلا أنها في كثير من الأحيان مجرد نتائج طبيعية لكوننا أحياء.

لتوضيح هذا التحليل النفسي المفرط، يستشهد عالم الاجتماع فرانك فيوريدي بقصة "المعالجين الانتقاليين" الذين قدمتهم حكومة توني بلير لأعضاء مجلس اللوردات الذين كانوا سيفقدون مقاعدهم. كانت الفكرة هي مساعدتهم على "التكيف" مع الحياة اليومية بعيداً عن صخب ويستمنستر، مما يبرز مدى المبالغة في تقدير التأثير النفسي للتغيرات الروتينية. يرى فيوريدي أن الناس لم يعودوا يعيشون، بل "يصمدون" أمام كل شيء: الطفولة، المراهقة، النضج، وحتى الأعياد، ودائماً مع افتراض وجود صدمات كامنة.

إن مقولة فرانكلين روزفلت الملهمة: "الشيء الوحيد الذي يجب أن نخاف منه هو الخوف نفسه"، تبدو اليوم وكأنها إشارة لـ"مرض نفسي" جديد مُدرج في كتب الصحة النفسية، مما يعكس مدى تغير نظرتنا للمشاعر.

بالتأكيد، الأمومة ليست للجميع. لا توجد "دعوة فطرية" للأمومة، ولا هي واجب أو التزام. بل إن حياة المرء يمكن أن تكون مكتملة وثرية دون المرور بهذه التجربة. ومع ذلك، سيكون من المؤسف للغاية أن تخاف النساء اللواتي يرغبن في الإنجاب من هذه "الثقافة العلاجية" السائدة التي تبالغ في كل شيء.

في هذه الأمور، وكما يقول الطبيب النفسي العظيم د. وينيكوت، فإن الأهم هو خفض التوقعات والسعي لأن تكون "أماً جيدة بما فيه الكفاية". ماذا يعني ذلك؟ يعني تحقيق الحد الأدنى الأساسي: بعد الفترة الأولى التي يكون فيها اعتماد الطفل لا مفر منه، تكمن الفكرة في عدم إحداث الكثير من الضرر، ومحاولة التواجد، وتوفير بيئة مستقرة، وعدم الطموح أبداً إلى الكمال.

وصف وينيكوت حب الأم بأنه "شيء فظ إلى حد ما. فيه تملك، وشهية، وعنصر 'مخدر الطفل'، وفيه كرم، وقوة، وكذلك تواضع". ويخلص المؤلف إلى أن "العاطفية الرقيقة غائبة تماماً عن هذا، وهي بغيضة للأمهات".

لقد أخطأت سينما الماضي في تصوير الأمومة بسبب عاطفيتها الإيجابية المفرطة. أما سينما الحاضر، فتخطئ بسبب عاطفيتها السلبية المبالغ فيها. كلاهما لا يتسامح مع "العادية الجيدة بما فيه الكفاية" للحياة كما هي.

تابعوا أحدث الأخبار من وكالة أنباء الشرق الأوسط