إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

حكم قضائي صارم يضع حدًا لعنف المدارس: حبس طالبات اعتدين على زميلتهن بعاهة مستديمة

حكم قضائي صارم يضع حدًا لعنف المدارس: حبس طالبات اعتدين على زميلتهن بعاهة مستديمة
Saudi 365
منذ 12 ساعة
4

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في مشهد لا ينم عن بيئة تعليمية آمنة، بينما كانت أجراس «مدرسة كابيتال الدولية» بالتجمع الخامس في يناير 2025 تعلن عن وقت الراحة، تحولت باحة المدرسة إلى مسرح لجريمة عنف مروعة. مشادة كلامية عابرة بين ثلاث طالبات، من بينهن شقيقتان، وزميلتهن «كارما»، سرعان ما تصاعدت لتتجاوز حدود الخلاف الطلابي العادي، لتتحول إلى اعتداء وحشي أسفر عن إصابة «كارما» بعاهة مستديمة في الأنف بنسبة 50%. هذه الواقعة المأساوية، التي هزت أركان المجتمع المدرسي، نقلت حياة ثلاث زميلات من مقاعد الدراسة إلى قفص الاتهام، لتختتم فصولها القضائية بحكمٍ جريء من محكمة جنايات الطفل بالقاهرة صدر يوم الأربعاء، 28 يناير 2026، مؤكدةً على تطبيق القانون بكل حزم داخل أسوار المؤسسات التعليمية.

تفاصيل الاعتداء المروع والشاهد الصامت

بدأت فصول القضية، المقيدة برقم 2283 لسنة 2025 جنايات الطفل، ورقم 2505 كلي جنوب القاهرة، بمشادة كلامية داخل المدرسة. وفقًا لحيثيات الحكم، لم يكن الاعتداء محض رد فعلٍ فردي، بل كان هجومًا جماعيًا منسقًا في لحظته. المتهمة الأولى «راوية»، التي لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها، وجهت ضربات وحشية باليد والقدم استهدفت وجه الضحية «كارما»، مما أسفر عن "اعوجاج بشكل الأنف الخارجي وانسداد التنفس الأنفي". هذه الإصابة، التي قدرها تقرير الطب الشرعي بأنها عاهة مستديمة يستحيل برؤها بنسبة 50%، حولت حياة الفتاة إلى معاناة جسدية ونفسية. ولم تكن «راوية» وحدها هي من شاركت في هذا الاعتداء؛ فكاميرات المراقبة في محيط المدرسة، والتي كانت بمثابة "الشاهد الصامت" والأكثر فصاحة، رصدت تفاصيل دقيقة للاعتداء الجماعي. أظهرت المقاطع المرئية قيام المتهمة الثانية «سارة» بالإمساك بذراعي المجني عليها لشل حركتها ومنعها من الدفاع عن نفسها، في حين تولت المتهمة الثالثة «نور» تسديد ضربات متفرقة في جسد الضحية، ما يؤكد الطبيعة المتضافرة للاعتداء.

التحقيقات ومواجهة الحقيقة الرقمية

باشرت النيابة العامة تحقيقاتها المكثفة، وواجهت المتهمات الثلاث بحقيقة لا تقبل الجدل. لم يكن أمام «راوية» وشقيقتها «سارة» وزميلتهما «نور» أي مجال للإنكار أمام الأدلة الدامغة التي وثقتها كاميرات المراقبة. فالمقاطع المرئية قدمت تسلسلاً زمنيًا لا يقبل الشك للحظات الاعتداء، من توجيه الركلات إلى وجه الضحية إلى شل حركتها. على الرغم من محاولات الإنكار الأولية، لم تجد المتهمات مفرًا من الاعتراف حين عُرضت عليهن المقاطع في سراي النيابة العامة، قائلات: "نعم، نحن الظاهرات في الفيديو". هذا الاعتراف شكل المسمار الأول في نعش دفاعهن الذي حاول لاحقًا أمام المحكمة رسم صورة مغايرة للواقع، مدعيًا "الدفاع الشرعي" أو "التلاسن المتبادل" كمبرر للفعل.

معركة قانونية في قاعة المحكمة

شهدت قاعة المحكمة "معركة قانونية" شرسة بين فريق الدفاع عن المجني عليها وفريق الدفاع عن المتهمات. حضر ولي أمر المجني عليها، السيد أحمد تيسير، ومعه فريق من المحاميات، مطالبين بتعديل القيد والوصف القانوني للتهمة الموجهة إلى «سارة» و«نور». كانت حججهم قوية، متسائلين كيف يمكن محاسبتهما على "جنحة ضرب" فقط بينما كانتا شريكتين في تسهيل جريمة «راوية» لإحداث العاهة المستديمة، وطالبوا بمعاملتهن كشركاء في الجناية عن طريق "المساعدة"، وقدموا ستة حوافظ مستندات تدعم موقفهم. في المقابل، طالب محامو المتهمة «راوية» بعرض الفيديوهات على خبراء الإذاعة والتلفزيون للتشكيك في صحتها أو بيان مدى تعرضها للمونتاج، كما طالبوا بندب "لجنة ثلاثية" من مصلحة الطب الشرعي لإعادة فحص أنف «كارما»، مدعين أن الإصابة قد لا ترقى إلى مرتبة العاهة المستديمة. كما لم يتوقف الدفاع عند هذا الحد، بل طالبوا بإعادة سؤال جميع شهود الواقعة وجميع العاملين بالمدرسة، وسؤال الطبيب الذي استقبل الحالة بمستشفى القاهرة الجديدة التخصصي، في محاولة واضحة لتعطيل الفصل في الدعوى أو البحث عن أي تناقض محتمل في الأقوال. وفي المرافعة الختامية، تمسك الدفاع بتوافر حالة "الدفاع الشرعي"، زاعمين أن المتهمة الأولى كانت ترد اعتداءً وقع عليها، وأن القصور في تحقيقات النيابة العامة حال دون إظهار هذه الحقيقة.

حيثيات الحكم: تمييز دقيق بين الاتفاق والتوافق

ردت المحكمة في حيثيات حكمها بأن طلبات الدفاع "غير منتجة"؛ فما دامت المتهمات قد أقررن بصحة ظهور كل منهن في الفيديو، فلا معنى لعرضه على الخبراء. وما دام تقرير الطب الشرعي قد جاء قاطعًا وواضحًا بشأن العاهة المستديمة، فلا ضرورة لتشكيل لجنة ثلاثية. استندت "جنايات الطفل" في حكمها على المتهمات الثلاث إلى أحكام محكمة النقض التي فرقت بدقة بين مصطلحي "الاتفاق" و"التوافق". فالمحكمة أكدت أن "توافق الجناة هو توارد خواطرهم على ارتكاب فعل معين دون اتفاق سابق". وبما أن التحريات وشهادة الشهود، ومنهم يوسف طارق وصوفيا ألكسندر، أكدت أن المشادة كانت "وليدة اللحظة"، ولم يكن هناك تدبير مسبق بين الفتيات لانتظار «كارما» وإحداث عاهة بها، فإن كل متهمة حوسبت عما اقترفته يداها فقط. هذا التكييف القانوني كان بمثابة "طوق نجاة" لـ«سارة» و«نور»؛ فبما أن الضربة التي أحدثت كسر الأنف والعاهة خرجت من يد وقدم «راوية» وحدها، وبما أنه لا يوجد "اتفاق مسبق" يربط الثلاثة، فقد استبعدت المحكمة تهمة الجناية عن الثانية والثالثة، وأدانتهما بـ"جنحة الضرب" المنصوص عليها في المادة 242 من قانون العقوبات، وهي النقطة التي أثارت جدلاً واسعًا بين فريقي الدفاع والمجني عليها.

البعد الاجتماعي والردع العام

لم تكتفِ المحكمة بالجانب الجنائي البحت، بل غاصت في الجانب الاجتماعي والنفسي للمتهمات، إعمالاً لنص المادة 127 من قانون الطفل. حيث حضرت الخبيرتان الاجتماعيتان، يسرا إبراهيم وأمل فوزي، وقدمتا تقارير مفصلة عن الحالة التعليمية والاجتماعية والنفسية لـ«راوية وسارة ونور». أوصت الخبيرتان بوضع المتهمة الأولى في تدبير "العمل للمنفعة العامة"، لكن المحكمة رأت أن الجرم أكبر من هذا التدبير، واستخدمت سلطتها التقديرية لإقرار العقوبة البدنية (الحبس) لتحقيق الردع الخاص والعام. أما بالنسبة للمتهمة الثالثة «نور»، فقد رأت المحكمة أن حالتها النفسية والاجتماعية ودورها الأقل في الواقعة يسمحان بوضعها تحت الاختبار القضائي، وهو تدبير يهدف إلى الإصلاح أكثر من العقاب، حيث يتم مراقبة سلوكها من قبل الأخصائيين لضمان عدم عودتها للعنف مرة أخرى، مما يعكس رغبة المحكمة في الموازنة بين "عقاب المعتدي" و"تقويم المراهق".

رسالة قضائية ضد التنمر المدرسي

في الفصل الأخير من الحيثيات، وضعت المحكمة "موازين القسط" بوضوح، مؤكدةً أن العقوبة لم تُشرع فقط لإيذاء المتهمات، بل لتحقيق "الردع العام". هذه رسالة واضحة لكل طالب أو طالبة يظنون أن "أسوار المدارس الخاصة" هي مناطق معزولة عن سيادة القانون. وشددت المحكمة على أن "الواقعة تمت داخل مؤسسة تعليمية"، وهو ظرف اعتبرته المحكمة مشددًا معنويًا في وجدانها، لأن المدرسة يجب أن تكون حرمًا آمنًا. وبالرغم من أن المتهمات "طفلات" بموجب القانون (تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عامًا وقت الواقعة)، إلا أن المحكمة صممت على الحبس مع النفاذ لـ«راوية» لمدة سنة، ليكون بمثابة "جرس إنذار" صارم ضد ظاهرة التنمر والبلطجة المدرسية المتنامية، مؤكدةً أن العدالة ستطال كل من يعبث بسلامة وأمن الطلاب في محيطهم التعليمي.

الكلمات الدلالية: # اعتداء مدرسي # تنمر # عاهة مستديمة # محكمة جنايات الطفل # القانون المصري # التجمع الخامس # مدرسة كابيتال الدولية # عنف المراهقين # أحكام قضائية # كاميرات المراقبة