إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

صلح تاريخي في "الترامسة" بقنا يطوي صفحة الدم ويؤكد قيم التسامح والتنمية

صلح تاريخي في "الترامسة" بقنا يطوي صفحة الدم ويؤكد قيم التسامح والتنمية
Saudi 365
منذ 7 ساعة
8

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

شهدت قرية الترامسة بمحافظة قنا، صباح اليوم، فصلاً جديداً ومضيئاً في سجل المصالحات الثأرية بصعيد مصر، حيث طويت صفحة دامية من الخصومة بين عائلتي "آل موسى" و"آل مسلم"، والتي استمرت لعامين، مخلفة وراءها جرحاً غائراً في نسيج القرية. وقد أقيمت مراسم الصلح المهيبة تحت رعاية كريمة من اللواء محمد حامد، مساعد وزير الداخلية مدير أمن قنا، وبحضور لفيف من الشخصيات البارزة يتقدمهم اللواء عمرو شلبي حكمدار المديرية، وفضيلة الدكتور عباس شومان رئيس اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف، والكاتب الصحفي والبرلماني مصطفى بكري، بالإضافة إلى عدد من القيادات التنفيذية والأمنية ورجال الدين الإسلامي والمسيحي.

وتعود جذور هذه الخصومة المريرة إلى عام 2022، عندما اندلع خلاف على قطعة أرض زراعية، سرعان ما تصاعد ليتحول إلى حادث مأساوي أسفر عن مقتل شاب من عائلة "آل مسلم". ومنذ ذلك الحين، ساد التوتر والقلق أرجاء القرية، مهدداً استقرارها ومستقبل أجيالها. ومع إصرار الدولة ومؤسساتها الدينية والأمنية على إنهاء هذه النزاعات التي طالما عطلت مسيرة التنمية، بدأت جهود حثيثة لتقريب وجهات النظر وتضميد الجراح، توجت اليوم بهذه المراسم التاريخية.

مراسم "القودة": إعلاء لقيم العفو وتأكيد لسيادة القانون

جسدت مراسم الصلح اليوم، بتقديم عائلة "آل موسى" لـ "القودة" (كفن العفو) إلى عائلة "آل مسلم"، مشهداً صعيدياً أصيلاً يحمل في طياته عمق التقاليد المتوارثة وقيم التسامح المتأصلة. هذا الطقس المهيب، الذي يعلي من شأن العفو ويدعو إلى الصفح، لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل كان بياناً قوياً يؤكد على سيادة القانون وأصالة الأعراف الاجتماعية التي تستهدف حقن الدماء واستقرار المجتمعات. وقد عكست هذه الخطوة الجادة رغبة حقيقية من الطرفين في تجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة مبنية على المودة والاحترام المتبادل.

وفي كلمته المؤثرة، قدم الكاتب الصحفي والإعلامي مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، تحية إجلال وتقدير لأهالي الترامسة على سعة صدرهم ورغبتهم في السلام، مثمناً الجهود الكبيرة التي بذلتها الجهات الأمنية ولجنة المصالحات وكل من ساهم في إنجاح هذا الصلح وحقن الدماء. كما اغتنم بكري الفرصة لتهنئة وزير الداخلية بتجديد الثقة فيه، مشيداً بالدور المحوري لوزارة الداخلية ورجال الشرطة في ملف المصالحات وإنهاء النزاعات الثأرية، مستشهداً بصلح قرية حمرا دوم الأخير كنموذج لذلك. وأكد أن هذه المصالحات تمثل دعامة أساسية للتنمية في ظل رعاية الدولة وقيادتها السياسية الحكيمة.

رسائل دينية موحدة تدعو إلى الرحمة والسلام

من جانبه، أكد فضيلة الشيخ عبد المعطي، ممثل وزارة الأوقاف وعضو لجنة المصالحات، على جوهر تعاليم الإسلام السمحة التي تحث على الرحمة والعفو والصلح بين المتخاصمين. وشدد الشيخ عبد المعطي على أن إنهاء الخصومات الثأرية يُعد من أعظم القربات إلى الله، لما له من أثر بالغ في حماية الأرواح وصون استقرار المجتمعات وتماسكها.

وفي سياق متصل، أشار فضيلة الدكتور عباس شومان، رئيس اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف، إلى أن هذا الصلح المبارك يأتي كبشرى طيبة تتزامن مع استقبال شهر رمضان الكريم، شهر العفو والمغفرة والسماح. مؤكداً على أن نبذ العداء والتناحر ليس خياراً، بل ضرورة حتمية لضمان مستقبل آمن ومستقر لأبنائنا. ونقل فضيلته تحيات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لأهالي الترامسة بهذه المناسبة العظيمة، موجهًا الشكر لكل من تكاتف من أجل تحقيق هذا الإنجاز، ومؤكداً أن هذا العمل الذي “تحتفل به السماء” ويباهي به الله ملائكته، مختتماً كلمته بـ: “هنيئًا لكم بهذا الصلح الكبير”.

ولم تكن الكلمة الدينية الوحيدة من جانب واحد، فقد صدحت الكنيسة بذات الرسالة السامية، حيث أكد القمص إسطفانوس حكيم، راعي كنيسة الترامسة، أن الأديان السماوية كافة تدعو إلى السلام والصلح بين الناس، معتبراً أن السلام من أفضل الأعمال إلى الله، وأن الصلح هو الطريق الحقيقي لتحقيقه. وأضاف القمص إسطفانوس بأن “السلام كلمة مريحة، وبالصلح يكون السلام”، مشدداً على أن التسامح ليس سمة للضعفاء، بل هو من شيم الأقوياء، داعياً الجميع إلى الحفاظ على روح المحبة والمودة التي يجب أن تسود بين أبناء القرية الواحدة.

مستقبل واعد بانتهاء الخصومات

اختتمت المراسم بتبادل العناق الحار بين كبار العائلتين، في لفتة رمزية تعبر عن طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، تلاها قراءة الفاتحة جماعة، وسط أجواء من الارتياح الشعبي العارم. وقد عبر الحضور عن سعادتهم الغامرة، مؤكدين أن إنهاء هذه الخصومة يمثل ركيزة أساسية لاستقرار قرية الترامسة، وضرورة حتمية لحماية مستقبل أبنائها من دوامات العنف التي لا تبقي ولا تذر. إن هذا الصلح لا يمثل فقط إنهاء لنزاع عائلي، بل هو تعزيز للتماسك المجتمعي، وتأكيد على قدرة المجتمع المصري، بدعم من مؤسساته، على تجاوز التحديات وتحقيق السلم الأهلي، فاتحاً الأبواب أمام مشاريع التنمية والازدهار في صعيد مصر.

الكلمات الدلالية: # الترامسة # قنا # صلح ثأري # القودة # الأزهر الشريف # وزارة الداخلية # مصطفى بكري # المصالحات # حقن الدماء # التسامح # صعيد مصر # التنمية