باريس - وكالة أنباء إخباري
الشرق الأوسط: هل يستفيد بوتين من تصاعد التوترات الإقليمية؟
بينما تتورط روسيا عسكرياً في أوكرانيا منذ فبراير 2022، يبدو أن بؤرة التوتر الجديدة في الشرق الأوسط، التي تتسم بالضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وتهديد إغلاق مضيق هرمز، تقدم لموسكو فرصاً غير متوقعة. هذا التصعيد، الذي أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات العالمية، يمكن أن يشكل فرصة اقتصادية واستراتيجية للكرملين، الذي تتعرض موارده المالية لضغوط شديدة جراء العقوبات الغربية. ولكن هل هذا الوضع المتقلب يمثل مكسباً صافياً لفلاديمير بوتين، أم أنه يخفي مخاطر جيوسياسية طويلة الأمد؟
المعادلة معقدة. فمن ناحية، ترى روسيا، ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم ولاعب رئيسي في سوق الغاز، أن إيراداتها من الطاقة قد تتعزز بفعل هذا عدم الاستقرار. كل زيادة في سعر برميل النفط الخام تمثل شريان حياة للميزانية الفيدرالية، الضرورية لتمويل المجهود الحربي في أوكرانيا. إن الاعتماد العالمي على المحروقات، الذي تفاقم بسبب مخاوف الإمداد في منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط، يضع روسيا في موقف قوة نسبية. إن احتمال إغلاق مضيق هرمز، حتى لو كان جزئياً ومؤقتاً - وهو ممر حيوي لخمس النفط العالمي - يكفي لهز الأسواق ورفع الأسعار.
اقرأ أيضاً
- المشهد الرياضي المعاصر: تحليل معمق لتطور المنافسة وتأثير الإعلام
- جنازة القادة الذين قتلوا في حرب الشرق الأوسط تجمع حشودًا ضخمة في طهران
- إيران تنشر حوالي اثنتي عشرة لغمًا بحريًا في مضيق هرمز وسط تصاعد التوترات الإقليمية
- ترامب يصعد لهجته ضد إيران: مزاعم بإزاحة القيادة ووعد بالبقاء في الشرق الأوسط
- تشيلي: خوسيه أنطونيو كاست يتولى الرئاسة في تحول يميني جذري
تشير فيرا غرانتسيفا، عالمة السياسة والمحاضرة في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences Po Paris)، إلى هذه الديناميكية: «يصرف عدم الاستقرار في الشرق الأوسط الانتباه الدولي عن أوكرانيا، وهذا انتصار غير مباشر لبوتين. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يعزز قدرته على إبقاء اقتصاده واقفاً على قدميه في مواجهة العقوبات. إنها معضلة للغرب: إما استقرار الشرق الأوسط مع خطر تقليل الضغط الاقتصادي على روسيا، أو السماح للتوترات بالاستمرار مع عواقب غير متوقعة على الاقتصاد العالمي.» يبرز هذا التحليل تعقيد الروابط الجيوسياسية الحالية.
إلى جانب الجانب الاقتصادي البحت، توفر التوترات في الشرق الأوسط لروسيا نفوذاً دبلوماسياً واستراتيجياً. تحتفظ موسكو بعلاقات متناقضة ولكن براغماتية مع إيران، الشريك الرئيسي في المنطقة، لا سيما في سوريا. يمكن أن يتكثف تعزيز الروابط مع طهران، الظاهر بالفعل من خلال التبادلات العسكرية والتكنولوجية، في مواجهة عداء غربي يعتبر مشتركاً. يمكن لروسيا أن تضع نفسها كوسيط محتمل، أو على الأقل كلاعب لا غنى عنه، في حل هذه الصراعات، سعياً لإضعاف النفوذ الأمريكي والأوروبي في المنطقة.
ومع ذلك، فإن هذا الوضع لا يخلو من المخاطر بالنسبة لروسيا. قد يؤدي تصعيد كبير في الشرق الأوسط إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية بشكل أكبر، ليس فقط من حيث أسعار الطاقة، ولكن أيضاً عن طريق تعطيل سلاسل الإمداد العالمية وتجديد التضخم. إن الركود العالمي، الناجم عن أزمة طاقة كبرى، سيؤثر في النهاية على الطلب على المحروقات الروسية، حتى بأسعار مرتفعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الانخراط المباشر جداً أو الدعم المفرط لإيران قد يؤدي إلى تداعيات دبلوماسية وعقوبات إضافية، على الرغم من أن روسيا هي بالفعل واحدة من أكثر الدول التي فرضت عليها عقوبات في العالم.
يجب أيضاً النظر في التأثير على توازن القوى. إذا تورطت الولايات المتحدة أكثر في الشرق الأوسط، فقد يضعف ذلك قدرتها على دعم أوكرانيا، وهو ما سيكون ميزة مباشرة لروسيا. بالتوازي، تراقب الصين، المستهلك الكبير للطاقة، الوضع بقلق، حيث أن الارتفاع المطول في الأسعار يمكن أن يعرقل نموها الاقتصادي، وهو عامل لا يمكن لموسكو تجاهله بالنظر إلى أهمية بكين كعميل للطاقة وشريك استراتيجي.
أخبار ذات صلة
- الداخلية تضرب بيد من حديد: ضبط قائد أتوبيس النقل العام المتلاعب بخط السير استجابة لرصد إلكتروني
- مايكروسوفت تضع خطة لمواجهة الواقع الرقمي المتزايد، وتزايد مقلق في حالات الحصبة
- نفيديا في مرمى الانتقادات: أزمة تعريفات RTX 50 وقيود الفولتية تهز ثقة اللاعبين قبل حلها
- علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يبتكرون أعضاء مصغرة قابلة للحقن لتعويض الكبد التالف
- مختبر متنقل يتتبع انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في أوكرانيا التي مزقتها الحرب
في الختام، يوفر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لفلاديمير بوتين سلسلة من المزايا التكتيكية والاقتصادية قصيرة الأجل، بشكل أساسي من خلال زيادة عائدات النفط وتحويل الانتباه الدولي. ومع ذلك، ترتبط هذه المكاسب ارتباطاً جوهرياً بمنطقة لا يمكن التنبؤ بها للغاية وقد تصاحبها مخاطر كبيرة، لا سيما زعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي قد يضر في النهاية بالمصالح الروسية. الحرب في إيران، إذا تصاعدت، لن تجعل هناك «فائزاً» واضحاً، بل لاعباً قادراً على المناورة في فوضى لا تزال تداعياتها غير مؤكدة لجميع الأطراف.