إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

أوروبا في مفترق طرق: محادثات سرية لردع نووي أوروبي واستقلالية استراتيجية متزايدة

أوروبا في مفترق طرق: محادثات سرية لردع نووي أوروبي واستقلالية استراتيجية متزايدة
Saudi 365
منذ 14 ساعة
5

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في تحول دبلوماسي لافت، كشف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، على هامش فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن، عن بدء برلين محادثات سرية مع فرنسا بشأن منظومة ردع نووي أوروبية محتملة. يأتي هذا الإعلان ليؤكد مدى السعي المتزايد للقادة الأوروبيين نحو بناء مسار أمني مستقل، يهدف إلى تعزيز قدرة القارة على الدفاع عن مصالحها في عالم يزداد تعقيدًا وتوترًا، مع الإبقاء في الوقت ذاته على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

مؤتمر ميونيخ: دعوات لتجديد الثقة وتعزيز القوة الأوروبية

لم يأتِ تصريح ميرتس بمعزل عن سياقه الجيوسياسي المتغير. فقد دعا المستشار الألماني خلال كلمته الولايات المتحدة إلى «تجديد وإحياء الثقة» في حقبة جديدة خطيرة تتسم بتصاعد سياسات القوى العظمى، مشددًا على أن واشنطن «ليس بمقدورها العمل بمفردها إذا انهار النظام العالمي القائم منذ فترة طويلة». هذه الدعوة تعكس قلقًا أوروبيًا متناميًا إزاء التزامات واشنطن المستقبلية، خاصة بعد عام من الاضطرابات غير المسبوقة في العلاقات عبر الأطلسي، حيث واجهت أوروبا تهديدات متعددة تتراوح بين الحرب الروسية في أوكرانيا والاضطرابات الهائلة في التجارة العالمية.

وشدد ميرتس على التزام ألمانيا بالقوانين الدولية التي تحظر عليها تطوير أسلحة نووية، مؤكدًا أن المحادثات مع فرنسا جزء لا يتجزأ من الشراكة النووية في حلف شمال الأطلسي، وأن برلين لن تسمح بتفاوت المستويات الأمنية من منطقة لأخرى في أوروبا. هذا التأكيد يشير إلى رغبة ألمانية في المساهمة في ردع أوروبي فعال، مع مراعاة قيودها التاريخية والقانونية، والاستفادة من القدرات الفرنسية.

الدور الفرنسي المحوري والرؤية الماكرونية لأوروبا قوية

تُعدّ فرنسا، القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه وتمتلك رابع أكبر مخزون نووي في العالم، الشريك الطبيعي لألمانيا في هذا المسعى. ومن المقرر أن يلقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كلمة حول الردع النووي في وقت لاحق من الشهر الحالي، وهو ملف حساس غالبًا ما يتحفظ المسؤولون عن الخوض فيه كونه من الصلاحيات الرئاسية المباشرة. تعكس تصريحات ماكرون السابقة والحالية رؤية واضحة لأوروبا أكثر استقلالية وقوة.

وفي كلمته بمؤتمر ميونيخ، دعا ماكرون العالم إلى «أخذ العبرة من أوروبا، بدلاً من انتقادها»، مؤكدًا أن على القارة «تحديد قواعدها للتعايش» مع روسيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في أوكرانيا، وذلك بهدف «الحد من خطر التصعيد». وأضاف أن على الأوروبيين «البدء بهذا العمل، انطلاقاً من تفكيرهم ومصالحهم الخاصة»، مقترحًا إطلاق سلسلة من المشاورات حول هذا الموضوع المهم. كما شدد على ضرورة «تطوير» أوروبا لترسانتها الدفاعية بفاعلية، لا سيما أنظمة «الضربات الدقيقة» بعيدة المدى، لتكون في «موقع قوة» للتفاوض مع روسيا مستقبلًا، مما يبرز رؤيته العميقة لضرورة الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية.

توجهات بريطانية داعمة واستقلالية دفاعية أوروبية

لم تقتصر الدعوات لتعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية على قادة الاتحاد الأوروبي فحسب. فقد أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اعتزامه حث أوروبا على الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة على الصعيد الدفاعي، وذلك في كلمة سيلقيها في مؤتمر ميونيخ للأمن. وجاء في مقتطفات من كلمته أن «رؤية للأمن الأوروبي وعن قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية» لا تعني انسحابًا أمريكيًا، بل «تلبية لنداء يدعو إلى تقاسم أكبر للأعباء ويعيد صياغة الروابط». هذا التوافق في الرؤى، حتى من خارج الاتحاد الأوروبي، يؤكد حجم الإجماع الأوروبي على ضرورة تحمل مسؤولية أكبر في مجال الدفاع.

التهديدات المتزايدة وتحولات السياسة النووية

تعتمد الدول الأوروبية في ملف الدفاع منذ زمن بعيد وبشكل كبير على الولايات المتحدة، صاحبة الترسانة النووية الضخمة. لكن انتقادات الإدارة الأمريكية الحادة لأوروبا فيما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، إلى جانب الأزمة الأوكرانية، دفعت الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها العسكري. ويضاف إلى هذه التحديات، تلميحات إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى نشر مزيد من الأسلحة النووية وإجراء تجربة جديدة، لتوجيه رسالة محددة إلى كل من الصين وروسيا، مما يعيد ملف الردع النووي إلى واجهة الاهتمامات العالمية.

وفي سياق متصل بمخاطر الطاقة النووية في مناطق الصراع، أعلنت الإدارة الروسية لمحطة زابوريجيا النووية، أن أحد خطي الكهرباء الخارجيين اللذين يزوّدان المحطة انقطع نتيجة لهجوم أوكراني. هذا الحادث يسلط الضوء على الهشاشة المحتملة للبنى التحتية النووية في مناطق النزاع، ويذكر العالم بأهمية الاستقرار الأمني. من جانب آخر، عبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن معاناة دول العالم من غياب العدالة في قضية امتلاك الأسلحة النووية، في دعوة ضمنية لإعادة النظر في هيكل القوة النووية العالمي.

طريق أوروبا نحو سيادة دفاعية

إن المحادثات السرية بين ألمانيا وفرنسا حول الردع النووي، بالإضافة إلى الدعوات الأوروبية المتزايدة لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، تمثل نقطة تحول حاسمة في استراتيجية القارة الأمنية. تسعى أوروبا إلى الخروج من دائرة الاعتماد الكامل على حليف واحد، والسير نحو بناء قدرات دفاعية وردعية تمكنها من مواجهة التحديات المعقدة بمفردها، أو على الأقل بتقاسم أعباء أكبر وأكثر توازنًا ضمن التحالفات القائمة. يمثل هذا التوجه محاولة أوروبية جادة لإعادة تعريف مكانتها ودورها على الساحة الدولية، وضمان مستقبلها الأمني في عالم سريع التغير.

الكلمات الدلالية: # الأمن الأوروبي، الردع النووي، فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة، حلف الناتو، استقلالية استراتيجية، الدفاع الأوروبي، مؤتمر ميونيخ، إيمانويل ماكرون، فريدريش ميرتس، سياسات القوى العظمى